أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

الحوار من الإقناع إلى المشاركة

*محمد العجمي

في إحدى جلسات التنمية البشرية التي حضرتها منذ مدة ليست بالقصيرة تحت عنوان “فن الإقناع“؛ كان المُدرب يجتهد في تقديم خلاصة تجربته وما تعلمه حول فنون واستراتيجيات الإقناع، تحدث كثيرا عن الخبرة السابقة والثقة والحب ولغة الجسد وطريقة وضع القدمين وحركة اليد، كذلك تطرق طويلا إلى النجاح والتفوق الذي يحصده من يمتلك القدرة على الإقناع، وإلى حد كبير نجح في إقناعنا حينها بأهمية المادة التي يقدمها وضرورة تجربتها، غير أن أهمية هذا الاقتناع لم تتعدَّ حدود تلك الجلسة، فما إن يخرج الواحد على الحياة ويعود إلى الواقع حتى يكتشف أن الاقتناع الظرفي بقضية ما شيء، وتحديث المنظومة الداخلية للقناعات شيء آخر مختلف تماما. ولطالما تردد علينا الشعور باكتشاف سيل من الأفكار والتساؤلات بعد انتهاء حفلة الإقناع بفترة؛ تعيدنا إلى نقطة البداية لنسأل من الصفر: لماذا لم يخطر في البال حينها كذا وكذا؟!! ولماذا الحكمة تأتي متأخرة؟!!

يتكرر المشهد كثيرا من حولنا، فما أكثر الحوارات التي تصادفنا عبر وسائل الإعلام والإنترنت والحوارات البينية؛ وكلها تتبع استراتيجية اقتناص الفرص واختصار الوقت لإلزام الخصم بالحجة وإقناعه بالقوة، وأغلب العائد من هذه الحوارات هو التصادم والتخاصم والبغضاء؛ وفي أحسن الظروف؛ لا يكون هناك أي عائد، ذلك لأن الهدف النهائي للحوار هو الإقناع، يجب أن يقتنع هذا الذي أمامي بما ألقي عليه وإلا فإن هناك مشكلة ما ستقع عما قريب. وهذا نابع في تقديري من الفهم الخاطئ لعملية الاقتناع كتغيير داخلي، كما لو أنها ضغطة زر ليحدث التغيير المطلوب، وأية مقاومة تعني أن هناك عطب ما وأن الزر لا يعمل بشكل جيد، وبالتالي يجب اتباع أساليب أقوى؛ كالصراخ والاتهام أو التحدي والمباهلة لتحل اللعنة على المخطئ، وفي أحسن الأحوال فإن العلاقة بين المتحاورين ستنقطع إلى الأبد أو سيترتب عليها ردود لاحقة؛ على الأرجح لن تكون هادئة.

وربطا بفنون الإقناع التي يروّج لها مستشارو التنمية البشرية؛ فإنه يمكن أن نقول أن هناك تحريفا معينا مقصودا أو غير مقصود يقع في عملية الاتصال المأمولة من خلال الحوار؛ وذلك بإقحام مقدمات لا علاقة لها بموضوع وهدف الحوار في صلب الخطاب المتبادل، مقدمات على شكل انتماءات سابقة أو مصالح لاحقة أو مشاعر معينة؛ هذه المقدمات تتدخل بشكل وآخر في الحوار لتجعله يسير في اتجاه التصادم أو في اتجاه الاستحواذ على مكاسب معينة، ولا أقول أن مجمل هذا التصادم ورغبة الاستحواذ هو سلبي بالمطلق؛ ولكن ألفت الانتباه إلى أن ذلك الشعور بأن هذا الجالس أمامي كائن غريب مالم يقتنع بما أقول؛ هو أحد هذه المقدمات، وهنا يجب أن نعترف بأن تحييد هذه المقدمات ليس سهلا لأنها جزء من ذات الإنسان وتعريفه لنفسه، والتوقف عنها أو تعطيلها لوهلة من الزمن غير متأتي في الظروف العادية، لهذا تظهر الحاجة إلى ما هو أبعد من المواجهة مع الانتماء والشعور بالتفوق والمصلحة والقضايا العاطفية التي يتم إقحامها في الحوار، والتفكير في ما هو أسبق من كل ذلك؛ أي في استثارة الذات لتجري حوارا داخليا مع نفسها قبل أي حوار مع الخارج.

لا أقصد من الحوار الداخلي هنا البدء من الصفر في رحلة اكتشاف الوعي الداخلي بالخارج؛ بل بمراقبة الاحتمالات المطروحة في الموضوع قيد الحوار والبحث، والنظر في علاقة الإنسان مع هذه الاحتمالات من حيث المعرفة التي يمتلكها أو التي يحتاج إليها ليقيّم هذه الاحتمالات، ومن حيث المواقف العملية التي تترتب على كل احتمال من هذه الاحتمالات، ولا شك هنا أن الإنسان حتى خلال هذه المراقبة؛ فإنه سيظل يقحم مصالحه وظروفه ومشاعره في التقييم، ولكن الفرق هنا أنه يقوم بذلك بينه وبين نفسه، فهناك متسع أكبر من الوقت لممارسة هذا التقييم، وكذلك فإن الجو العام لن يكون بتلك الكهرباء العالية التي تتخلّل عادة الحوارات البينية والجماهيرية، إن التخلص من هذا الشحن والاضطراب ومناخ الحرب المفترض؛ يعطي الفرصة لتطبيق معايير أكثر هدوء وصدقا ومطابقة للواقع؛ على الاحتمالات التي يتعاطى معها الإنسان في الموضوع الذي يشغله. وهذا يأخذنا مسافات إلى الأمام باتجاه الحوار من أجل المشاركة عوضا عن الحوار من أجل الإقناع.

الحوار الداخلي الذي أقصده ليس بغرض الوصول إلى الإجابات؛ وإنما بغرض التوصل إلى المفاتيح لمصادر المعرفة الأكثر مصداقية، وحتى في حالة التوصل إلى الإجابات؛ يظل الحوار الداخلي في حركة مستمرة في البحث عما يعزز هذه الإجابات، هذا يجعل الحوارات الخارجية دائما في بداية الرحلة، والحقيقة المنشودة في هكذا حوارات ليست تلك التي يظن الواحد منا انها موجودة في نهاية الطريق؛ بل هي تلك التي دائما في رحلة استكشاف للحياة، ومن هنا يولد مفهوم المشاركة. الحوار للمشاركة وليس الحوار للإقناع، المشاركة تعني أن الكل مسؤول ومطلوب منه أن يضيف شيئا، وأن أية إضافة ستخلق حركة ما داخل المجتمع؛ حركة على شاكلة تفاعل وردود أفعال، وهذه الحركة هي التي يمكن أن نسميها بالوعي الجمعي. فالحوار للمشاركة هو شكل من أشكال وعي الجماعة بنفسها؛ هذا الوعي الذي سيمثل بطبيعة الحال الوجه الآخر لوعي الجماعة بخارجها.

إن المشاركة هي أرقى وأسمى هدف يمكن من أجله أن يطلب الإنسان المعرفة، ففيه هو يطلب لنفسه وجودا ممتدا من داخله إلى الخارج على شكل دفقات تملأ الفراغات بما يتوصل إليه الإنسان في كل مرة. وبملء هذه الفراغات يتحقق الاتصال وتتكون شبكة متصلة من المفاهيم والحقائق التي تربط نتاج كل عملية بحث بالعمليات الأخرى. بلغة فلسفية؛ لا يعود الإنسان ذلك الكائن المعرَّف بالدقة والممتلئ وجودا وظهورا؛ بل هو ذلك الحضور الزمني والحدَث في التاريخ الذي يتحرك باستمرار ليصنع لنفسه ماهية، تماما كالنقطة المجردة التي تلوح من البعيد، وكلما اقتربت منا؛ اتضحت معالمها شيئا فشيئا. الحوار للمشاركة هو هذا الاقتراب وهذا الامتلاء للذات بما يُعرِّفها، وفي ظل هكذا حوار؛ يسبق الاعتراف بالآخر أية نتائج ومعرفة وحقيقة تتولد خلال الحوار. عندما أجلس في مقابل مُحاورٍ أدرك مقدما أنه يعترف بوجودي ككيان له قصديته الخاصة؛ فإن كل ما سيقوله هذا المحاور هو محل تقدير ونظر قابل لأن أتعلم منه، على العكس مما لو كان يعرفني بشكل نهائي ولم يعد هناك مجال إلا لإصدار الأحكام وترتيب النتائج والاستعداد للمعركة. والجلوس على طاولة الحوار هو في أصله اعتراف بالآخر؛ ولكن لا تكتمل وتتضح الرؤية حتى يتبين هدف كل طرف من هذا الجلوس، إذ قد يتكشّف عن وجه قبيح لا يعرف إلا لغة الإقصاء والطرد والشخصنة والتصنيف وتوزيع الاتهامات.

الحوار للمشاركة هو أداة ووسيلة من بين أدوات ووسائل أخرى يمكن لكل إنسان أن يمارسها لإنضاج أفكاره واختبارها والتحقق من دقتها ومصداقيتها، فمنظومة القناعات الداخلية لكل إنسان تمثل رحلة طويلة من القراءات والقرارات والتجارب والمشاهدات؛ متراكمة منذ الطفولة، فهي ليست ضغطة زر كما يتوهم الممتلئون من ذواتهم. إن تبني موقف جديد ورؤية جديدة وقناعة مستجدة يتطلب بالإضافة إلى الحوار للمشاركة؛ سلسلة من المشاهدات والقراءات والفحص والمراقبة والتجربة للأفكار، فليس وحده البرهان المنطقي العقلي هو الذي يصنع الإيمان بقضية أو موضوع ما. الحوار للمشاركة لا يوجد فيه طرف يمارس الوصاية على طرف؛ ويضع الإجابات الجاهزة في لسانه، ولا يوجد للأطراف فيه هدف وغاية أكثر من الممارسة للذات وللفكرة التي تمثل محتواها في تلك اللحظة. ويجانب الصواب؛ في اعتقادي؛ من يظن أنه ينوّر الناس بالدخول في مثل هذه الحوارات، حتى لو كانت الحقيقة لديه متراكمة منذ زمن طويل من البحث والتجربة خاضها وسبق غيره بذلك زمنيا، فالشعار الأقرب هو: أنا ما زلت أحلم!


*نشر المقال في صحيفة البلد في 29 إبريل 2015