أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

فيلم الختم السابع

محمد العجمي *

الختم السابع حكاية سيريالية وتصويرية مع الموت تنطلق من رؤية شاعرية للوجود والفناء. رحلة مع ملك الموت تشعل أسئلة الوجود الكبرى عن الله والغاية والمعنى والشر واللذة والتيه. الختم السابع عنوان أخذه إنغمار بيرغمان ذو التربية الدينية المتزمتة؛ عن نص من أحد الأسفار الإنجيلية المتأخرة وهو الإصحاح الثامن من رؤيا يوحنا، والذي تحدث فيه عن الأختام السبعة التي يتم فتحها واحدا تلو الآخر، حتى تصل إلى الختم السابع حيث يسود السماء صمت رهيب، وتبدأ مرحلة النهاية للآلام الي تمر على الكنيسة وبعدها يعود المسيح. لا ينفصل السياق التاريخي لهذا الفيلم عن الفزع العالمي في الخمسينات من حرب نووية مدمرة بين المعسكر الشرقي والغربي، ولكن مقاربته جائت فلسفية بحتة ما يجعله متجددا على الدوام، فلا تكاد تنقطع المقالات والدراسات حول هذا الفيلم منذ إنتاجه قبل ستين سنة. لعل هذا الفيلم؛ وأفلام بيرغمان عموما؛ من أكثر الأعمال التي تلتقي فيها السينما والفلسفة.

مجموعة من المشاهد يمكن تقسيمها على مراحل كفصول المسرحية، تبدأ من عند شاطئ البحر في أواخر العصور الوسطى مع أنتونيوس بلوك (ماكس فون سايدو) الفارس العائد من حرب صليبية بالأرض المقدسة مملوءا بالخيبة نتيجة اكتشاف أنه كان مخدوعا بالوهم الذي جعله يقضي عشر سنوات يؤدي واجبا هو في النهاية حرب عبثية بلا جدوى، فيعود يحمل الأسى ومعه ذلك الشك حول وجود الله فهو يبحث عن المعرفة التي تطمئن له شكّه، وبصحبته حارسه العدمي جونز (غونار بيورنستراند)، وهو شخص قاسي الوجه لا يؤمن بشيء وليس مشغولا بشيء سوى أن يعيش اللحظة ساخرا من أسئلة سيده وبحثه عن الله. تكون عودتهما في بداية انتشار الطاعون الأسود الذي كان يحصد أرواح الملايين في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر، ومن ذلك الحدث صنع بيرغمان ثيمة الموت في فيلمه، والتي دشّنها بالمشهد الذي تحاور فيه أنتونيوس مع ملاك الموت (بينغت أغورت) الذي جاء ليخبره بأن أجله قد حان، ولكن أنتونيوس يتفاوض معه على لعبة الشطرنج ليقول له أنه سيقاومه ما ظل حيا.

ينتقل الفيلم بعد ذلك لتصوير حياة المجموعة المسرحية المتجولة والمكونة من الزوج جوزيف (نيلز بوبي) وزوجته ميا (بيبي أندرسون) وطفلهما مايكل ومعهم الشخصية الانتهازية جوناس سكات (إيريك ستراندمارك)، وهي فرقة كاسدة تقدم عروضا فاشلة بالقرية المشغولة بالطاعون. في نفس الوقت الذي يواصل فيه بلوك وحارسه جولتهم فيصلون إلى نفس القرية حيث يزور جونز كنيسة القرية فيدور حوار بينه وبين رسّام يرسم لوحة رقصة الموت على جدران الكنيسة، فيم يدخل بلوك إلى قاعة الاعتراف ليعترف للقس بما يجيش في صدره من اليأس في الوصول للمعرفة التي يدعم بها إيمانه، ثم يكتشف في النهاية أنه يحاور ملاك الموت. الحوار الآخر الذي دار بين جونز ورسام الكنيسة كان هو الآخر عن الموت وضرورة أن يخاف الناس الذين دائما ما يبحثون عن البهجة والسرور. يلتقي كل من بلوك وجوزيف بالفرقة المسرحية التي بالكاد قدما عرضا مسرحيا فاشلا قطعه في النهاية موكب جنائزي على الطريقة المسيحية للتكفير عن الذنوب والابتهال إلى المسيح ليخلصهم من الطاعون الذي إنما حل بهم بسبب آثامهم. اللقاء الذي تم في الغابة تخلله مشهد إكمال لعبة الشطرنج بين بلوك وملاك الموت، ولكن هذه المرة يبدو لوك أكثر ضعفا ويأسا بسبب اقتراب انتصار الموت عليه.

تمر بعد ذلك جملة من المشاهد البارعة جدا في الغابة؛ يحصد فيها ملاك الموت أرواح الهاربين منه، ثم مشهد حرق الفتاة الصغيرة المتهمة بالسحر وبجلب الطاعون، والتي يحاورها أنتونيوس بلوك على أمل أن يعرف منها هل قابلت الشيطان الذي من المؤكد يعرف أين مكان الله، ولكن لا يستطيع أن يأخذ منها شيئا، ومرة أخرى هناك يلتقي بملاك الموت الذي يأخذ شكل الراهب وهو يحكم على الفتاة بالحرق. ثم سيلتقي به من جديد في الغابة فيصبح أجله أقرب وأقرب، وهناك ينجح في أن يشغل الموت ويشتت ذهنه عن الزوجان جيف وميا وطفلهما اللذان يسرعان في الهرب، وهو الانتصار الوحيد الذي شعر بلوك أنه حقّقه على الموت وأعطى لحياته معنى؛ أن ينقذ حياة آخرين. يصل بلوك وأصدقاؤه إلى قصره حيث زوجته التي تنتظره، فتعد العشاء لهم، ثم تقرأ لهم من كتاب رؤيا يوحنا المقدار الذي يربط بيرغمان كل مشاهده التصويرية بذلك الكتاب الذي كتب في القرن الميلادي الأول، وليفسّر لنا من أين استوحى عنوان فيلمه. هناك في القصر سيظهر لهم ملاك الموت للمرة الأخيرة، وهذه المرة يراه الجميع دلالة على أنه جاء ليأخذهم جميعا. هناك تنطق الفتاة الصامتة التي أخذها جونز معه لتعمل كمدبرة منزل؛ فتقول كلمتها الوحيدة بالفيلم مع ابتسامة غريبة جدا: إنها النهاية، كما لو أنها الشاهد الذي يريد بيرغمان أن يقول لنا أنها هي التي تعرف الله. لينتهي الفيلم في المشهد الأخير وملاك الموت يجر المجموعة إلى أعلى التل، ويطلب منهم أن يرقصوا رقصة الموت، في الوقت الذي يشاهدهم جيف وزوجته من أسفل التل.

إبداع بيرغمان في هذا الفيلم يتخطى الحدود فعلا، فكل حركة فنية بالفيلم مدروسة بعناية لتتكامل مع ثيمة الموت وحاجة الإنسان إلى الأجوبة، وسخرية الموت منه. في بداية الفيلم عندما يمر بلوك وجونز بسوادة متكأة على صخرة، فيهبط جونز ليسأله عن الطريق فيكتشف أنها بقايا جثة مهترئة، وعندما يعود يسأله بلوك: هل أرشدك إلى الطريق؟ فيجيب: ليس بالضبط. ثم يعيد بلوك السؤال: هل قال لك شيئا؟ فيرد عليه: لا. فيسأله: هل كان أخرسا؟ فيقول له جونز: لا.. لقد كان بليغا جدا. في لقطة أخرى عندما يقوم رسّام كنيسة القرية بشرح لوحة رقصة الموت لجونز؛ نكتشف في النهاية تلك الرقصة في آخر الفيلم على التل عندما يجبر ملك الموت أسراه على الرقص وهو يجرهم إلى الموت، ومنهم جونز نفسه. أيضا في اللقطة التي اكتشف فيها بلوك أن القيسيس الذي يعترف له كان هو ملاك الموت، فيعمد بعد تجديد التحدي بينهما على مخاطبة يده بغبطة أنه ما يزال يحركها والدماء تجري في عروقه والشمس ما تزال في الأفق؛ كل ذلك يمنحه البهجة أنه قادر على تأجيل مصيره لينجز بعد مهمة أخرى بالحياة. كذلك اللقطة التي قطع فيها ملك الموت الشجرة التي كان جوناس سكات صعد فوقها هربا من الموت؛ كناية على انتهاء أجله، فما أن تسقط الشجرة حتى يصعد السنجاب فوق الجذع دلالة على عدمية الوجود الإنساني، إذ لا أحد يبكي عليه وكل شيء يستأنف الوجود كأن شيئا لم يكن.

الطفلة الساحرة هي الأخرى إبداع منقطع النظير من بيرغمان، وفي الحقيقة لا أعرف أي روح حلّت فيه حتى يضيف مشاهد تلك الفتاة في الفيلم، وهي فتاة تدعي أنها ترى الشيطان وأنها سبب الطاعون. فيحكم عليها الرهبان بالحرق. يصادفها بلوك قبل موعد حرقها بيوم، فيسألها إن كانت حقا رأت الشيطان، ولكنها لا تجيبه سوى بالأنين، ثم بالصراخ الذي يقطع القلوب وهو يغادر الموقع. ليعود إليها يوم حرقها، فيجدد سؤاله لها عن الشيطان، فتطلب منه أن يشاهده في عينيها، فيقول لها: لا أرى إلا فزعا. ثم تقول له: إنه معي في كل مكان، لو أمد يدي أحس به، النار لن تؤذيني. تقول ذلك معبرة عن اطمئنانها؛ رغم أن وجهها يقول العكس، بل أن وجهها يحكي وهي صامتة عن أنها وجه الرب الذي يبحث بلوك عنه، ولكن عندما يجده؛ يكتشف أن الموت لوّثه حتى جعله يظن نفسه أنه الشيطان. وهذا هو الذي دفع جونز ليسأل سيده ذلك السؤال العدمي عندما رفعوا الفتاة على خشبتها قبل الإحراق: من يعتني بتلك الطفلة الآن؟ الملائكة؟ الرب؟ الشيطان؟ اللاشيء؟ أنظر إلى عينيها. عقلها يحاول أن يستكشف ما حولها. اللاشيء. نحن عاجزون أن نرى ما ترى، وهي ترهبنا بذلك. يا لها من طفلة فقيرة. أنا لا أستطيع الوقوف. ثم يمضون تاركين الفتاة لمصيرها.

*نشرت للمرة الأولى في مارس 2017