أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

البراكسيس كمعادلة

أتخيّل البراكسيس أشبه شيء بمعادلة رياضية لصنع ذائقة متّزنة في الحياة، أو مجال العمل الذي تنشط فيه النفس وهي تتحلّى بالعقل. شيء يشبه الاضطراب الذي يجتهد ليستقر عبر ربط ما ينبغي بما هو واقع فعلا. البراكسيس فلسفة عملية، يبدأ من نظرية لم تتوقف يوما عن مراقبة نفسها عبر التجريب المستمر. أي تغيير اجتماعي بدون البراكسيس سيكون قصير الأجل أو مدمرا. البراكسيس وحتى لا تختطفه الأيديولوجيات؛ يستحسن به أن يكون رماديّا، ولكن كيف؟ التعبير هنا ربما يكون شاعريا؛ ولكن من الشعر تبدأ الممارسة النشطة والفعّالة.

معامل س: للبدايات منطق خاص؛ شيء يشبه إعدادات الضبط لجهاز جديد. هناك حدّ أدنى من الاختيارات يفترض أن تكون معروفة، هي التي تعطي المعنى للبداية. وما يأتي بعدها سينتمي أو لا ينتمي إلى البداية بالقدر الذي يُظن أن الإشارات باتت كافية لتدلّ على المشروع/العنوان/التصنيف/الولادة.

معامل ص: لا أستطيع على وجه الدقة وصف تلك اللحظة التي تصبح فيه مفردة ما أو مفهوم معينا أداة لتثبيت قيمة سلوكية جديدة عند الانسان. أغلب النصوص والمفردات والتعبيرات التي تمرّ علينا أو نمرّ عليها؛ تمضي كلغة يومية لا تتعدى وظيفة الاتصال بين الناس. غير أن هناك بعض الكلمات تتحوّل فجأة إلى مادة لنظام أخلاقي أو معيار سلوكي؛ لتفتتح وتعزّز اسلوبا جديدا في الحياة يشعر الواحد منا معها بأنه أقوى وأكثر قدرة على التحكّم أولا بمشاعره وقواه الداخلية، وثانيا بما يدور حوله من تناقضات وتفاعلات. تماما كما لو أنه لم يكن يفهم ما يجري، وبفضل تلك الكلمة التي تحوّلت إلى مفهوم يختزن داخله حمولة من أحداث وذكريات وتجارب؛ استطاع أن يتجاوز ضعفه القديم. الشيء المهم هنا أن أغلب هذه الحمولات التي نلقيها على تلك التعابير والكلمات؛ وربما الشوارد، هي من التجارب الشخصية؛ التي تعني شخصا بذاته، وليست بالضرورة مشتركة بين الجميع. سأفترض هنا أن “عقل رمادي” هو من هذا النوع من المفاهيم.

عملية أولى: المُطلق يمنح الدعوى/الطرح قوّة وتدفّقا وقدرة على الاكتساح. المطلق يُوهِم بالتفوّق ويجعل المتكلّم يشعر بأنه في الأعلى؛ يشدّ العالم إليه بقوّة وهو يغلّظ يقينيّاته ويصبّ حقائقه المنتهية، ويمارس أعمق وجود ممكن، ويتشبّث بما يظن أنها أكثر الجذور ثباتا في الأرض. لا شيء أجمل في الحياة من امتلاك الحقيقة، لهذا نحن نستعمل المطلق لنبدو وكأننا نمتلك الحقيقة. ذرّة شكّ أو قليل من النسبية تجعلنا أضعف أمام الحياة؛ هكذا نظن. هل هي صدمة كبيرة لو قلت أننا في الأصل نسبيّون، ولكن مجموعة من الظروف والترتيبات الأسبق علينا؛ تجعلنا ندّعي ونمثّل امتلاك المطلق؟ فقط لكي لا تتخطّفنا الريح من حولنا، ولنطرد الخصوم إلى أبعد مكان ممكن، بحيث نمسح أي منطقة رمادية يمكن أن تكون بيننا؟ نحن نداري ضعفا منسيا أو قادما؛ لنتجنّب الأسوأ. النسبيّون غالبا يعيشون على الهوامش، والإطلاقيّون يرفضون مغادرة المركز. المفارقة هنا؛ من الأقوى؛ الزاهد في القوّة أم من يطلبها حثيثا ويخشى أن تضيع من يده؟

عملية ثانية: لا يُهيء الرماديُّ لنفسه إلا قليلا. يبتعد عن الأضواء ما أمكن. يبدو ساذجا. لا يعمل حسابا طويلا للقبول لدى الآخرين. وبالرغم من أنه سهل الفهم إلا أنه لا يُرى إلا غريب الأطوار. لا يمكن إدراجه في المشاريع، فهو لا يستجيب إلا لغريزته. الرماديّ حاجاته قليلة، وأكثر ما يبدو خالي المشاعر. ليس عبوسا ولا كئيبا؛ ولكنه لا يصرف مشاعره بسهولة، وإذا صرفها فإنه يستطيع استعادتها بسرعة وإخفائها من جديد. آخر من يمكن أن يستفيد من علاقاته هو الرمادي، فهو لا يتحدث كثيرا عمن يعرفهم، وناقل سيء للأخبار. الرمادي أكثر اشتغالا بالتفاصيل الصامتة؛ يلاحظ ما حوله بدقة؛ ليس لتعزيز تواصله مع هذا الذي حوله، وإنما لأنه يعشق الصورة المكتملة ويحب ان يتأملها مع نفسه. الرمادي لا يمكن الوصول لقلبه بسهولة، ولو وصل إليه أحدهم فإنه من السهولة أن يفلت منه، ﻷن الرمادي لا يحتاج لتفكير طويل ليتجاوز التفصيل، فخياراته غالبا كثيرة. الرمادي يحب الحياة دون أن يبكي عليها كثيرا، ولا يخاف من الموت بالرغم انه يستحضره بقلبه دائما. الرمادي ليس شكاكا ولا مترددا ولا حساسا، واهتمامه عال جدا بمشاعر الناس؛ لا ﻷنه يحب معرفتهم، بل لكي لا يزعجهم، فلا يزعجونه. الرمادي قليل المبادرة؛ قليل التذمر والشكوى، واسع الصدر، بارد الأعصاب. لا يصلح للعلاقات العامة ولا للمفاوضات ولا يحسن القيادة ونادرا ما يفلح في التجارة. طموحه مثالي ولكن بسيط، لهذا لا يمكن تحفيزه بسهولة. وهو أكثر من يردد: “كله واحد”.

المعادلة: تستطيع بسهولة أن تقول مثلا: لا تغضب، إنه مجرد فنّ. أو هو شعر وأدب، لا يحتاج لكل هذا الانفعال. أيضا العلم؛ فإلى حد كبير يمكن أن تقول: هذا علم، لا تحتاج للصراخ. ولكن مع الفلسفة والسياسة والدين؛ الأمر مختلف. لأنها تفترض مسبقا وجود تحيّز واضح يتم التعبير عنه في صورة موقف أخلاقي سلوكي مباشر. بالرغم أنه حتى الفن أو الأدب يستحيل تفريغهما من التحيّز تماما، غير أن الموقف العملي فيها غير واضح، لهذا نقرأ الفن أو نتذوقه بأريحية وهدوء. اشتراطاتنا ستكون جمالية لا أكثر. بينما في خطابات الفلسفة والسياسة والدين؛ يجب أن يكون هناك إقناع واقتناع، لهذا يكون هناك توثّب ومقاومة. الرماديّة تخفف من حدّة الحمولات التي يمكن أن تقع فوق رؤوسنا من أي خطاب يحاول أن يقفز فوق المقاومات. بحيث يمكن أن نفكر: لا تنفعل.. إنها مجرّد فلسفة! لا تكن أخرقا.. إنه مجرّد دين!

شبه نتيجة: الشعور بأن الواحد منا ليس ضروريا لهذه الحياة يصنع حالة فريدة. من جهة يجعل كل محاولات إضفاء العقل على الحياة ليس أكثر من مجرد عبث. لماذا نريد أن نعطي لهذه الحياة معنى والحياة تلفظنا بلا هوادة وبكل قسوة؟ وفي المقابل يتحوّل هذا الشعور بالضآلة إلى فعل مقاومة عنيدة لنفرض أنفسنا فرضا على هذه الحياة. كما لو أن العقلنة والمقاومة هما نشاط واحد؛ نعقلن الحياة بمقاومتها. المرض؛ الحرب؛ الفشل؛ الكوارث الطبيعية، كل هذه هي تجليّات لهذين المكونين. لو لم نشعر بالتفاهة أمام الكوارث فسوف لن نحاول أن ندرسها ونقاومها.

*براكسيس رمادي مدونة فكرية في الفلسفة والثقافة والاجتماع، للكاتب محمد العجمي. للتواصل (moloza@hotmail.com)