أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

نفاذيّة جسد

تحوّلات: في البدء كانت الذات المجهولة، ثم كانت الحركة المجهولة، ثم تشكّلت التصوّرات عن تلك الحركة، ومن التصورات خرجت الأفكار، وبالأفكار أصبحت الحركة معلومة، ومن الحركة المعلومة استطاعت الذات أن تعرف نفسها. ولكن ما إن عرفت نفسها حتى ارتكست في تلك المعرفة مستغنية عن ملاحقة الحركة. فتحوّلت إلى ذات موهومة، ومن ثم أصبحت الحركة موهومة، وكذا التصورات الناتجة عنها، وبطبيعة الحال ستكون الأفكار موهومة. حتى إذا وصل العمر إلى نهايته ماتت الذات قبل الجسد. الحلقة المفقودة في هذه المسيرة هي تلك الدوامة التي تعتصر الذات بعد أن تعرف نفسها. أستطيع أسميها دوامة الاحتضار، وهي تلك التي تجبر الذات الواعية أن تستمر في ملاحقة الحركة حولها؛ حتى تتجنّب ذلك المصير الذي ينتهي بها إلى نسيان كامل للوجود وارتماء تام في مادية الجسد، ولتستعيد لحظة ولادة الذات المجهولة من جديد.

ضوء وعتمة: مما وجدت أن الإنسان الذي يتماهى مع ذاته أولا ويتلمّسها شيئا فشيئا فإنه أقدر على أن يعيش فكرة الروح المطلق في داخله حتى لو أنكر وجودها. على العكس من ذلك الذي يريد أن يصل إلى المطلق بعيدا عن ذاته، فإن ما يصل إليه لا يتعدى الإجلال الخاوي لهذا المطلق، وللوجود المترتّب عليه. الاتصال بالمطلق يبدأ من داخل الذات ويتجلى في الوحدة أكثر مما يتجلى في الكثرة، وفي تمثّل المطلق داخليا أكثر من الخضوع له، وفي الاستقلال الذاتي عنه أكثر من التبعية له والحاجة إليه. لهذا أستطيع أن أقول وبكل ثقة أن أي إيمان بمطلق ما أو بإله منفصل قبل الغوص في أعماق الذات واكتشاف حقيقتها؛ هو إيمان فارغ لا نفع منه ولا عائد. إن هكذا إيمان يتحول في مرحلة لاحقة إلى علاقة أفقية تجبر الفرد على أن يفرض مطلقه الوهم هذا على الآخرين، على العكس من أولئك الذين يعيشون حالة المطلق في ذواتهم فإنهم أكثر قدرة على فهم الآخر وتقبله كما هو. تلمّس الذات يأتي عبر اختبارها في المواقف والصدمات، وتذوّق حريّتها، ومحاولة استخراج أعمق ما فيها من مشاعر وتصوّرات. الذات الأقرب للمطلق ستكون ذاتا شفّافة، والأبعد ستكون ذاتا معتمة.

الزمن كمرآة: تُمزق تناقضات الحياة الإنسان، فيسعى للملمة ذاته وتوحيدها. إنها ليست مهمة سهلة، فجمع الشظايا في ظل ضربات المطارق أمر مجهد. يلجأ الإنسان إلى الأمل ليجمّع أجزاءه ويوحّد ذاته، وليتخلص في الوقت نفسه؛ من عبء الإحساس بالزمن. إنه يحاول الهروب من الزمن بأي طريقة، فيتحدث عن المستقبل وعن الطموح وعن الأمل كما لو أنها جزء لا يتجزء من واقعه المعاش. المستقبل ليس زمنا والامل نحت الذات على جدار المستقبل، وهذا الجزء غير الزمني يمثل معظم إنسانية الإنسان. فحتى بالرغم من أن التجارب والخبرات هي التي تعرّف بهذا الإنسان أو ذاك؛ إلا أنه يصر كل الإصرار على أنه خارج دائرة الزمن. وبهذا الإصرار فقط؛ هو إنسان. اللازمنية هذه تعني الخلود، فالإنسان بتعلقه بالأمل؛ يطلب الخلود. لا يجدر بنا أنا نحرمه من أمله هذا حتى لو كان وهما. وغاية ما يمكن أن نقول له: الأمل الذي يمنحك الخلود هو نفسه الذي يجعل على الحياة ما يستحق العيش.الزمن الممتلئ هو ما يمزّقنا، وتفريغه هو ما يجعل على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

شفافيّة: من أصعب اللحظات أن تكون عاريا أمام نفسك. بمعنى لا تجد مبررات تلتمس فيها العذر لها وتحافظ على كبريائك في المواقف التي تتخذها. نحاول أن نتعلم دائما من أخطاءنا لئلا نمر بهذا الشعور، ولئلا نمارس ما يجعلنا نحتقر ذواتنا. لحظات الضعف تلك تظل راسخة بقوة في المخيلة وتدفعنا دفعا لعدم تكرار نفس الأخطاء. أن تكون عاريا أمام نفسك يعني أن لا يوجد لديك سلاح تدافع به عنها. من لم يجرب مرة أن يكون ضعيفا أمام نفسه لن يكون قويا أمام الآخرين. تشتبك تلك اللحظة مع لحظة الحاجة إلى ما ليس عندك؛ هناك حيث يفقد الإنسان جزءا مهمّا من كيانه وحقيقته كإنسان حر ومستقل، فيكون عاريا أمام نفسه. عند تلك اللحظة تتم معظم تجارب استلاب الإنسان وتجنيده وإعادة برمجته لخدمة مشاريع الأيديولوجيات المختلفة؛ بما فيها الخضوع للسلطة التي تحرص على أن تبقيه مجرد رقم من الأرقام. تصوير الإنسان ككائن ضعيف وتضخيم النقص الفطري الذي لديه؛ استراتيجيات مستخدمة بكثرة في مجتمعاتنا، وتهدف بشكل أساسي إلى إيهام الإنسان بأنه دائما محتاج إلى شيء ما، وأن عليه أن يقدم تنازلات من ذاته ليشبع هذه الحاجات التي تم مسبقا تضخيم أهميتها ودورها. وهكذا يعيش طول حياته يجري وراء من يشبع حاجاته، ومع هذا الجري يبذل ويهدر إنسانيته. هو في الحقيقة لا يفعل سوى أن يكشف عن نفسه أكثر. يستمر في ذلك حتى يصبح عاريا تماما. هناك من يستفيق على إثر الصدمات المتراكمة، وهناك من يخسر ذاته فعلا ويغرق في الأجندات. كيف يستقل الإنسان بذاته ويدرك حاجاته كما هي؛ مهمة ليست بالصعبة، ولكنها تحتاج إلى مناخ عام يشجع أن يحب الإنسان أسئلته ويعمل على احتضان ذاته والإقتراب منها.

الثابت والمؤقت: أن تعترض يعني أن تكون عاطفيا؛ لأنك ستكون ممتلئا بالآخر. في تلك اللحظة ستكون أكثر استعدادا للوقوع في قبضة المفاهيم والأشخاص؛ والتاريخ عموما. تلك القبضة التي ستملأك بالمحتوى وبالنهايات. تحتاج لتصرف جهدا إضافيا لتجاوز هذا الخارج الذي يعتصرك ويقولبك ويجعلك مشغولا دائما بالثابت الذي تديره أجهزة المجتمع والدولة. ستكون قلقا على الدوام عندما تعترض على هذا الثابت الذي هو نفسه ما تطلبه لنا المذاهب والأحزاب السياسية والمنظومات الفكرية. هناك شيء أسبق من كل ذلك؛ يقبع في دواخلنا العميقة. يجب أن يكون الاعتراض بحثا عن هذا العمق الذي يتجسّد أكثر ما يتجسّد في المؤقّت. الاطمئنان في الداخل وليس في الخارج، وأمارته أنك قد تكون في قمة السكينة؛ بينما يراك الخارج في قمّة الاضطراب، أو أنك تشتعل في الداخل، بينما الخارج يراك في قمة الهدوء والسكينة. الاعتراض مشروع إلهي يجعل الإنسان على مسافة خطوة من الإله، وتلك الخطوة هي عندما يكتشف الإنسان/الإله في داخله. كل جهاز وكل أداة وكل تقنية وكل وسيلة نستخدمها في الحياة تريد منا أن نعيش في الثابت. نستسلم لهذا الذي يسمى العقل الكبير. عقل الأب الذي يحبنا ويعطف علينا ويريد الخير لنا ونحن صغاره الذين يخاف عليهم. يجب أن يكون الاعتراض بحثا عن المؤقت. عن الفوري. عن المنقطع. لا نكتشف أنفسنا إلا في لحظة الإنفصال عن هذا الثابت. أهواؤنا.. غرائزنا.. أحلامنا.. ما نستمتع به؛ كل ذلك يكمن في اللحظات الخاطفة. لحظة كمراقبة غروب الشمس أهم مرّات كثيرة من الغرق اليومي في زحمة الذهاب إلى العمل. فكرة تتحول إلى عمل إبداعي تعادل كل الساعات الطويلة التي نقضيها في رضا الناس. والمحبة هي قناعة الأرض بأهمية أن نمشي عليها؛ وليس في عناية النظام بنا.

عدسة تبعيد: ستتّسم الحياة بالتعقيد والزيف عندما تصبح القوّة موضوعا يجب الاستحواذ عليه. يزداد سلب الذات كلما صعدنا في هرم القوة. غالبا ذلك بسبب أننا نظطر لتقديم تنازلات كثيرة لنحوز على القوة؛ التي ستكون بالضرورة منحة وهبة تهبط من أعلى إلى أسفل. الأمر سيختلف عندما يكون موضوع القوة متجسّدا عنه عندما يكون متجرّدا. طلب القوّة من صاحب سلطة بعينه ليس كطلبها بخدمة نظام أكثر تجريدا، والحالاتان ستختلفان فيما لو كان طلب القوة من إله مطلق. لكي يكون الإنسان صادقا مع نفسه ومع ما حولة؛ يجب أن يتخلص من شهيّته لامتلاك القوة؛ ليس بأن لا يسعى لذلك مطلقا، بل بأن لا يجعلها هاجسا وأولويّة؛ وخصوصا القوة الصلبة المتعيّنة في شخوصات ومؤسسات. من الممكن مثلا ان يفكر في محاورة القوة بدلا من التفكير في الاستحواذ عليها. القوة التي تأتي بفيض من القوي للأضعف تكون أكثر استنزافا للفرديّة مقارنة مع القوة التي تتولد أثناء الحوار والإنفتاح والتفاعل الطبيعي الحرّ.

زهد التفوّق: يمكن النظر للزهد في الحياة كشكل من أشكال العدمية. لو أخذنا فكرة العدمية كتحلل للمعنى بالحياة؛ فإنها ستدفع باتجاه أن يكون الإنسان مقلا في الحياة؛ عابرا خفيفا عليها؛ قليل الحرص على ما فيها. ترتبط العدمية بقوة بموضوعات ما بعد الحداثة في السياق الأوروبي، حيث العدمية تمثّل الخلاص من قبضة الحداثة الماديّة التي أرهقت الإنسان واستهْلكته في العمل والتملك والاستهلاك؛ للدرجة التي أصبح الإنسان نفسه بضاعة خاضعة لحركة السوق، وللدرجة التي أصبح الانسان تهديدا لكوكب الأرض. الزهد قد يأتي أحيانا من مبررات دينية؛ كتضحية بمتاع الدنيا رغبة في نعيم الآخرة. ولكن الفكرة لا تكتمل في ظل التكالب الذي يحوّل خطابات الزهد إلى خدعة تسقط كمطر خفيف فوق رؤوس الفقراء لصالح الأغنياء. لهذا تكون العدمية أحياتا تمرّدا على الدين؛ الذي يتحوّل ألى أداة رأسمالية لاستلاب الانسان. ترتبط التقليلية بشكل وثيق بإدراك الإنسان ووعيه بأن الحداثة بأدواتها الهائلة من تقنيات ودول وجيوش ومصانع تستلبه وتجعله قيمة ورقما وشيئا خاضعا للتبادل والمقايضة. الدين ضروري هنا؛ وهو يحث على الزهد وعدم الاستسلام الكلي لرغبات النفس في التملك والشح. كذلك الفلسفات الروحية التي أوجدتها العدمية كمخارج من العدمية نفسها؛ وهي تدفع بضرورة احترام كوكب الأرض وحب الطبيعة وحماية البيئة والتدوير والتقليل من الإستهلاك. كل هذه التوجيهات تعمل على تحرير الإنسان من قبضة الماديات التي تستهلك إنسانيته وتجعله غافلا عن تلك الروح التي تجعله كائنا متفوقا، وخصوصا عندما يهب هذا التفوق للحياة وينسى أنه متفوق.

ذات إلهية: المقولة “لا تجعل الله أهون الناظرين إليك”؛ تعني أن تراقب ذاتك بإجلال واهتمام؛ انزع من ذاتك رقيبا تكبر رأيه فيك وملاحظاته عليك. هذا الرقيب هو أنت في الصورة الأمثل؛ لهذا يجب احترام ما يلقيه في روعك. الصورة الأمثل ستكون مزيجا من غايات وقناعات ومقدمات وحقائق تولّدت من ملامسة الواقع، وكلما كان الانسان واع بسلطانها عليه؛ كان أقدر على إجلالها بدون تصنيمها. التصنيم هو أكثر ما يجعل الإنسان يرى الله أهون الناظرين إليه؛ ذلك ﻷنه يضع حدودا بينه وبين الله المتصنم، فإذا تضاربت المصالح؛ رمى بالإله عرض الحائط. الوعي والإدراك بقوة صورتك الأمثل يعني أنك على تماس معها في شكل صادر ووارد؛ وقبولك بما يردك منها لا ينفصل عن قدرتك على التأثير عليها. باختصار شديد؛ القول: “لا تجعل الله أهون الناظرين إليك” يعني لا تتوقف عن محاورة ذاتك.

الغاية والاتزان: ينزع الإنسان للمزيد من الابتعاد عن الإنسان، ولكنه لا يستطيع بسبب كثرة النقائص فيه. يحاول أن يستغني ما أمكنه عن حاجة الناس، ويميل لتوفير كل ما يحتاجه أو يستطيع عليه في بيته. يفعل ذلك أحيانا لأجل أطفاله؛ حتى لا يكتسبوا عادات النظر إلى ما في أيدي الغير. هذه الميل والنزوع إلى الاستغناء عن الغير أكثر ظهورا في المجتمعات الحديثة، وهو وإن كان يسهم في معالجة الكثير من الأمراض التي تعرفها المجتمعات العضوية القبلية من حسد ونميمة ومحسوبية وتسلّق؛ غير إن نتائجه خطيرة مالم يتم تعويض النقص الروحي الذي عادة ما يأتي من الوجود في جماعة. لهذا تنتشر في المجتمعات المتقدمة فكرة الجمعيات التخصصية والحلقات ذات الأهداف النفسية والنوادي والمؤسسات الداعمة للحياة المعنوية. يتم تأسيس نمط من العلاقات قائم على المشتركات لا على الحاجات. هناك نقطة اتزان صفريّة يمكن عبرها ضبط هذا التجاذب بين الحاجة للآخرين والاستغناء عنهم. يمكن أن نلاحظها في الهوس الشديد بما أسمّيه الغاية النهائية. لو نجحنا في ضبط هذا الهوس فسنكون أقرب إلى الاتزان فيما نحتاجه من الآخرين. الغاية النهائية هي ذلك المجهول البعيد جدا والذي يرسل رسائل غامضة تشدّنا إليه شدّا، ليتحول إلى مسار قهري يضيق مساحات المناورة لدى الإنسان في رحلته إليه. التوقف قليلا عن النظر إليه والإنشغال باللحظة الحالية يكسب الإنسان مزيدا من الفرص والخيارات للفحص والتجربة، ويعطيه نفَسا أطول في التفاوض مع الحياة بحثا عن أنسب وأفضل طريق يوصل إلى تلك الغاية المطلوبة بالفطرة.

تفاهة: ماذا يعني أن تتوق النفس لتملك شيء ولا تناله؟ تظل معلقة في ذلك الشيء الذي سيصبح فجأة ملتقى لرغبات أخرى لم تكن في الحسبان. تزداد المبررات التي تقدمها النفس لهذا التعلق مع الزمن. هل يعني أن الإنسان ليس هو الأهم في هذا الوجود؟ أم يعني تفاهة هذا التعلق؟ لو كان يطلب الإنسان الحرية بدون أن ينالها؛ فهل الإنسان هو التافه أم أن الحرية هي التافهة؟ لا مفر من اعتبار أن التفاهة طرفا هنا؛ ولكن ليس هو الإنسان ولا الحرية؛ بل ولا في الحركة من الإنسان إلى الحرية، وإنما في ذلك النظام الذي تشكل وتجذر من هذه الحركة. كيف أصبح لهذا النظام معنى ومحتوى من تلك اللاجدوى والحزن والأسف واللوعة لعدم قدرة الإنسان على تحقيق ما يريد؟

الحب كمفارقة: الحب صوت المجهول في القلب. صوت النقص في الروح، والأمل الذي يكملها. الحب نداء يلح على الإنسان كي يكون موجودا، ويتحرك في الزمان. الحب انجذاب قهري باتجاه غابة حبلى بالمفاجآت. الحب مزيج متعالي من قلق وطلب وافتقار وخوف وحنين؛ يجتمع كله في لحظة ينقسم فيه الوجود بشكل حاد إلى وجودين: وجود خاص بالأنا ووجود خاص بالعالم خارج الأنا. هذا الانقسام يفرد في النفس شعور عميق بفراغ شديد يجب ملؤه قبل تفتت الأنا، ووحده الحب هو ما يملأ هذا الفراغ ليوحد الوجودين. الحب تنازل عن جزء من الذات مقابل تعويض مماثل من العالم يصبح جزء منها، وإعادة ترتيب للإنتماء في هذا العالم. الحب شكوى صامتة بأن المكان توقف عن الاتساع، ودائرة الأفق أخذت تضيق أكثر وأكثر. الحب شعور فطري متجذر بضرورة وجود مركز وقطب للدوران حوله، وهذا الشعور يطوقه يأس متربص. الحب تلك اللحظة التي ينتظر المحب فيها ردا من المحبوب على رسالة لا يعلم هل وصلت أم لا. لحظة يختلط فيها الخوف والرجاء، والحركة والسكون، الطلب والتوقف عن الطلب، كل ذلك بانتظار قرار مصيري يحدد اتجاه الانفصال والاتصال مع العالم. الحب التقاء ما هو بشري بما هو إلهي، والإرتباك الناجم عن ذلك. بالحب فقط؛ يتدخل الإله في حياة البشر، فيتحكم في مصائرهم؛ بطريقة في منتهى البساطة. يمنحهم حرية الاختيار، ولكن هو من يحدد الخيارات المتاحة. الحب هو اللحظة التي يدرك الإنسان فيها أنه جزء من خطة الإله، وأنه يجب أن يتمرد عليها، لأن هذا التمرد رغبة الإله. الحب تلك الحالة المفرطة في التعلق بالاحتمال والتوقع والترقب والتردد؛ مع رغبة شديدة وملحة في أن يأتي منقذ ومخلص ينزل هذه الحمولة الثقيلة من على عاتق المحب. الحب ثورة أشبه بالإستسلام، واستسلام أشبه بالثورة.

ما قبل الاسم: ما الذي يعنيه إسمي لي؟ هناك أكثر من احتمال للإجابة على هذا السؤال؛ تبعا للموقف والحالة والمزاج. ولكن هناك لحظة معينة لا تتكرر كثيرا يختفي هذا الإسم من أمامي، فأكون أنا بدون هذا الإسم الذي ألصِق بي. قد لا أحسن وصف تلك اللحظة؛ ولكن لدي ما يشبه اليقين بأنها من أقرب اللحظات إلى الأبدية واللذة المطلقة. هي لا تتكرر لأن أحدا لا يستطيع الوصول إليّ إلا عبر هذا الإسم. حتى أمي لا تستطيع. عندما أنتبه إلى اللحظات الأولى وأنا أستيقظ من النوم. قبل عودة الذاكرة للعمل داخل الدماغ. أفكر فيها بعمق. كيان مبهم ملقى على السرير بلا لون ولا طعم ولا رائحة؛ يحاول بكسل معرفة نفسه وأين هو وأي وقت فيه وما الخطوة التالية؟ ثم تعود إليه التعريفات تدريجيا فيقفز من السرير. لا تتكرر تلك اللحظة كثيرا في اليوم والأسبوع والشهر. هناك كيان آخر يولد فينا لحظة ننسى أسمائنا. وبالرغم من قسوة اللحظة التي يحاول الواحد منا استذكار اسمه بدون جدوى؛ غير أن تجربتها تعصم الانسان من الكثير من أمراض الروح. الحب في أقصى مداه لحظة من هذه اللحظات التي لا تتكرر. شيء يشبه أن لا يعود للاسم أي طاقة للتمدد؛ وفي نفس الوقت الروح الكامنة خلفه تنطلق في الآفاق حاملة معها الأفكار والابداعات. باختصار شديد؛ الأسماء تحاصر المسميات وتسجنها.