أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

نقيض المشاريع

إشارة أولى: الأيديولوجيا والوطن
نحن نصعد وننزل داخل الأيديولوجيا. نصعد حتى نصبح منافحين حتى الموت ولا نكاد نرى أنفسنا من شدة ما نحن ذائبين داخل منظومة الأيديولوجيا، وننزل حتى لا يكاد يُعرف لنا طريق أو صديق، ونصبح أقرب للهباء الذي لا يجد طريقا للتجسّد. شيء ما يجذبنا للأعلى، وشيء ما يطلب منا النزول. ربما الوطن هو ما يحرّكنا داخل هذه الذبذبات، ولكن إلى أي مدى حدود هذه الوطن حاضرة داخل وعينا؛ وبالتالي يحدد كيف نتحرّك في عوالم التيّارات والفلسفات؟ يجب أن يكون الوطن نظاما مغلقا لكي تزدهر الأيديولوجيات داخله. فهل الوطن مغلق؟ الوطن مستوى مجرّد؛ لا نكاد نشعر به إلا وهو متشكّل في دولة أو حكومة أو مؤسسة كبيرة، وربما حتى في قريب أو صديق أو حبيب.

الأيديولوجيا هنا ستخبرنا عن الزمان أكثر مما تخبرنا عن المكان، والحركة داخلها رهن لمفاعيل أخرى غير الشعور بحجم الانتماء إلى وطن؛ أشياء من قبيل التعميمات والبنى المعرفية والعلاقات بين الأفكار وأحيانا الصور النمطية. حالة التردد والتفاوت داخل الأيديولوجيا (الأيديولوجيا السائلة) تعني أنها مدخل لاستيعاب التغيّر والاختلاف، على العكس من الوطن الذي لا يفترض أن نختلف حوله. لكل شخص أسبابه ومبرّراته في الحركة والتغيّر؛ والتي يمكن أو لا يمكن أن تقنعنا، ولكن الوطن سيكون الواحد الذي يجمع المتفرقات. كل الحوارات والاصطفاف والاستقطابات (المشاريع) لا يفترض أن تكون لها علاقة بالانتماء للوطن. ربما في أسوأ الظروف ستكون ذات مفعول ضعيف للغاية في حب الوطن.

من أسباب تخلف المجتمعات هو منظومات الأفكار المسيطرة التي تعمل على تقسيم الناس وتصنيفهم وفق معايير خارجة عن إرادتهم. فعندما يتم تصنيف الناس إلى صالح وفاسد حسب درجة إيمانهم بدين ما أو بمذهب فكري ما أو بمبادئ عامة ومثالية لحزب ما، فهذا تمزيق للمجتمع وتلغيم للسلم الأهلى فيه، لأن الإيمان بمبدأ فوقي معين ليس خيارا مبسوطا يمكن لكل شخص أن يتخيره بسلاسة وأريحية. البديل هو اعتماد معايير واقعية نابعة من القدرات الحقيقية للناس في الإلتزام وتحقيق هذه المعايير. مثال ذلك الفعاليات المدنية والخيارات السياسية. بل وحتى مع هذه المعايير يجب الحذر ممن يحاول أدلجتها لتقسيم الناس إلى مستويات حسب درجة انتماءهم لحزب ما أو جماعة معينة. نهوض المجتمعات رهن بدرجة التناغم والانسجام الداخلي بين أفراده حتى في اختلافاتهم.

ما قبل الخطة: الفراغ كمشروع
للفراغ مفهوم خطير عند إميل سيوران. تكتشفه في الكثير من كتاباته، ولكن في “المياه كلها بلون الغرق” يبدو وكأن سيوران يريد نحت مفهومه العجيب عن الفراغ في لاوعي القراء. الفراغ عند سيوران هو ما يقع بين امتلائين. في لحظة الامتلاء يفقد الإنسان حريّته. الحرية عند سيوران لا تولد إلا في الفراغ، وهي التي ستدفع الانسان إلى ملء هذا الفراغ، وشيئا فشيئا سيفقد الانسان حريته مع تزاحم المحتوى الذي يضخه في الفراغ القديم، إلى أن يفقد شعوره بالحرية. وهنا ولكي يستعيد حريته المسلوبة فعليه أن يعود إلى لحظة الفراغ ليعيد ولادة نفسه. يدخل سيوران هنا تقنيات كثيرة لاستعادة لحظة الحرية المنسية: الملل، نسيان الانجاز، استعادة الله من الأديان، تنمية الخوف، استعذاب الشعور باليأس، ملازمة الحانات، العيش مع المجانين، تجديد الحسرات، إيقاظ الشعور بالشفقة على الحياة. وهكذا يحاول سيوران أن ينقلنا إلى منابع الفراغ، فلا يوجد مثل الامتلاء ما يقتل الإنساني فينا.

مع الفراغ؛ يرى الانساني أنه آخر شيء مهم في الحياة للحياة. شيء يشبه اللغة وهي تراقب تكسّرها في نطق الأطفال، أو المحاريب وهي تنظر بابتسامة إلى أخطاء المصلين في صلواتهم. الفراغ كمشروع نجده في الورد قبل تفتحه، وبعد ذبوله. أي قبل أن يكتسب القيمة، أو أن قيمته أصبحت في الأثر المنسي. يرفض ‏الإنساني أن يرى نسخه فقط من حوله، وهو في الوقت نفسه لا يرى في الإنسانية مذهبا أو معتقدا أو أي محتوى معرفي أو ثقافي، بل ولا حتى نوعا من أنواع الحياة الأخرى. فالفرق بينه وبين الضفدع ليس أكثر بكثير من الفرق بينه وبين والده أو ولده. ما يخشاه الإنساني ليس أن تكون له حدود؛ ولكن أن تكون الحدود وحدها ما يعرّفه. لأنه ينتمي لكل شيء، وكل شيء ينتمي له. وعندما يُطلب منه إبراز هُويته؛ يقدّمها كتحصيل حاصل لا أكثر. فقد كان يمكن لذرّاته أن تكون بخارا نجميا في آخر المجرّة. هذه ليست عدمية؛ بل هي التثبّت في الانسانية. خطّة الوجود أن نكون طارئين لا أكثر، وما تشبّثنا بهذا الوجود إلا لأن ما ننساه أهمّ بكثير مما نتذكره. ففي اللحظة التي أنظر فيها للفرصة التي تمنحني حياة أكثر، سأركض إليها ناسيا أنني ممتلئ بالهباء. الإنساني من ينسى الفرصة ويتذكر أن التثبّت في الوجود يتحقق أكثر عندما لا يكون قلقا أن لا يكون موجودا.

داخل الخطّة: رؤية الأيديولوجيا (ثلاث لحظات)
لحظة أولى: الأيدولوجيا هي مستوى من مستويات الوعي يظن صاحبه أن هذا الوعي الذي لديه متفوق على من سواه، وبالتالي يعطيه المشروعية أن يفرض إملاءاته واختياراته عليهم. ومن هنا يأتي الصيت السيء لهذه الكلمة بحيث أنها تستخدم بشكل متوازي مع البرمجة وغسيل الدماغ. فعندما نقول شخص متأدلج فكأننا نقول شخص مبرمج أو مغسول دماغه.الأيدولوجيا ليست سيئة في بدايتها لأنها تعبر عن الحنين للمجتمع الأفضل. ولكنها عندما تختلط بالإدارة ونموذج الاقتصاد والسياسة والتربية والحريات المدنية فإنها تكون سيئة في الغالب، وسبب ذلك أنها تحاول توحيد خصائص الأجزاء والظواهر في مفاهيم كلية سيتم تطبيقها على الجميع لاحقا، ما يؤدي إلى إلغاء التعددية ومحاربة التنوع. الفراغات ستهدد بالضرورة المفاهيم الكلية والقوانين الحتمية التي تنتجها الأيدولوجيا. يمكن أن نعتبر الأيدولوجيا مرحلة معينة في الوعي الفكري يجب أن لا يتوقف الشخص عندها إذا ما تلبس بها في مرحلة ما، بل يجب أن يعانق الحرية على حقيقتها التي تقتضي التعدد وفشل الكليات في صياغة جنة الله في الأرض. نحتاج هنا إلى الصدمات الفكرية لتحقيق ذلك. وهي صدمات مع أنظمة الأفكار؛ تكون بطيئة في العادة ولكنها عميقة ومتجذرة. الصدمة الباعثة للفراغ ستكون شيئا يشبه الشرارة التي تنتج عن الاصطدام بالرموز الحية للواقع. سيحتاج ذلك لوقت طويل حتى يحدث.

لحظة ثانية: التعاطي العاطفي مع قضية ما يجعل الشخص موظفا لدى هذه القضية. يحمل أجندتها ويقاتل دونها دون أن يلتفت إلى أن ما تحمله القضية من مصداقية تزيد أو تنقص حسب تغير الظروف من حولها. نقيض ذلك هو التعاطي المبني على الفهم والاقتناع والتعقل؛ حيث يظل الشخص على مسافة من القضية أو الموضوع أو الفكرة. مسافة أمان كتلك التي يتركها قائدوا السيارات في الشوارع تساعدهم على امتصاص المفاجآت. التعاطي العاطفي لا يمكن أن يترجم القضية في الواقع إلا على شكل أيديولوجيا حزبية أو مذهبية تبحث عن الأتباع وتفرض نفسها فرضا، أما التعاطي المتعقل فلديه خيارات أكثر في ترجمة القضية في الواقع إذ يسهل تحويل الفهم والاقتناع إلى معرفة قابلة للنقل والتبادل والمشاركة، ويكون المطلوب هو البحث عن الشركاء وليس الاتباع. التعاطي العاطفي يكون بالتعصب للآباء والأجداد، أو للأشخاص والقبيلة والدين عموما، كما يتولد من الحب والاندماج مع أحداث ومناسبات تحقق إشباعا عاطفيا وقبولا اجتماعيا، وفي أحيان كثيرة يكتسب التعاطي العاطفي من وجودة سلطة فوقية متعالية وغيبية تسيطر على عقل الشخص وتضيق خياراته. أما التعاطي المتعقل فهو في الغالب مرحلة لاحقة يتولد من توالي الصدمات والفشل الناتج من التوظيفات العاطفية المتواصلة. هذا التعقّل أعلى درجة وأكثر تلاؤما وانسجاما مع حاجات ومتغيرات الواقع. لذا نحن بحاجة لمن يصدمنا في أنفسنا وعواطفنا أكثر من أولئك الذين يزينونها لنا. بحاجة لمن يرينا الفراغات.

لحظة ثالثة: من أكثر لحظات الإنسان ضعفا هي لحظة الحاجة إلى ما ليس عنده. في تلك اللحظة يفقد الإنسان الجزء الأكبر من كيانه وحقيقته كإنسان حر ومستقل. عند تلك اللحظة تتم معظم تجارب استلاب الإنسان وتجنيده وإعادة برمجته لخدمة مشاريع الأيديولوجيات المختلفة بما فيها الخضوع للسلطة التي تحرص على أن يبقى مجرد رقم من الأرقام. تصوير الإنسان ككائن ضعيف وتضخيم النقص الفطري الذي لديه؛ استراتيجيات مستخدمة بكثرة في مجتمعاتنا، وتهدف بشكل أساسي إلى إيهام الإنسان بأنه دائما محتاج إلى شيء ما، وأن عليه أن يقدم تنازلات من ذاته ليشبع هذه الحاجات التي تم مسبقا تضخيم أهميتها ودورها. وهكذا يعيش طول حياته يجري وراء من يشبع حاجاته، ومع هذا الجري يبذل ويهدر إنسانيته. هناك من يستفيق على إثر الصدمات المتراكمة، وهناك من يخسر ذاته فعلا ويغرق في الأجندات. كيف يستقل الإنسان بذاته ويدرك حاجاته كما هي؛ مهمة ليست بالصعبة، ولكنها تحتاج إلى مناخ عام يشجع أن يحب الإنسان أسئلته ويعمل على احتضان ذاته والإقتراب منها.

ما بعد الخطة: علامات التعافي
علامة أولى: من بين الكثيرين الذي يحيطون بنا؛ لا بدّ وأن نصادف أشخاصا ما زالوا على فطرتهم التي أنبتتها ظروفهم الطبيعية التي نشأوا فيها، فلم ينخرطوا في أي مشاريع إضافية عدا تلك التي تولّدت بشكل عفوي من رغباتهم الطبيعية. بمعنى لم يتبنوا قضايا أو مشاريع زائدة على حاجتهم، وكانت البرمجة التي خضعوا لها بطفولتهم أو شبابهم في مستواها الأدنى. شخصيا أثق بحدس هؤلاء أكثر من ثقتي بحدسي. بل أكثر من ذلك؛ أستطيع أن أعتبرهم المرآة التي أريد أن ألج عن طريقهم إلى أعماقي. هم مدهشون بملاحظاتهم التي تتولّد عفويا قبل أن توجّهها المشاريع والأيديولوجيات. هؤلاء ليسوا نادرين، بل على العكس؛ كثيرون بيننا. فقط، نحتاج إلى تصفية الذهن للوصول إليهم.

علامة ثانية: الجزء الأكبر من الوعي بالذات يأتي من الأرض ومن الارتباط بالأرض. الشعب الذي ينفصل عن أرضه، أو يقدّم أنظمة الأفكار الافتراضية على الأرض في بناء الهوية؛ يفقد وعيه بذاته تدريجيا إلى أن يصل إلى مراحل من الضعف أن لا يستطيع مقاومة أي تدخل خارجي. ليس كمثل الارتباط بالأرض يصنع الروح الحيّة. فالأرض بحقولها ومراعيها ومياهها وشواطئها وخيراتها وتراثها هي الأم التي تمنح الحب والخير وتشد الأفراد إلى بعضهم البعض، على عكس أنظمة الأفكار المتراكمة والمتوافدة من هاهنا وهاهناك والتي تتجاذب الأفراد وتشدهم عن الأرض لصالح انتماءات عارضة لا توجد لها جذور بالأرض، فيكون أقرب للتمزق والتنافر. أنظمة الأفكار غالبا ما تكون أنظمة سياسية مستوردة أو أيديولوجيات غازية مستمدة من دين أو من ثقافة معينة، وهي افتراضية بمعنى تسبح بالمرء في عالم الأفكار المنفصلة عن الواقع. عندما يضعف تعلق الناس بالأرض فإنهم يبدأون سلسلة الفشل والهزائم التي لن تنتهي مالم تتم مراجعة نظام الأفكار السائد كأول مرحلة لمعرفة أسباب الضعف، وعلى الأرجح أن نظام الأفكار هذا زيّف الوعي لدى الناس لصالح أطراف معينة مستفيدة من ضعف وتمزق هذا الشعب، وأوّل خطوة ليعود الناس إلى وعيهم هو أن يعودوا إلى تلك التربة التي انعجنت باللحم والعظم والدم منذ أولى لحظات التكون.

علامة ثالثة: عندما تستنفد طرق التعبير عن المعاني يتجه الانسان إلى توليد اللامعنى، والذي سيتسم بالغموض؛ حتى في السلوك. اللامعنى يُعبّر عن اليأس والرفض وانهيار النظام الجامع للأفكار والمصالح. لحظة اللامعنى تثير شهية الإنسان لممارسة العنف؛ على نفسه أولا ثم على الآخر، وشكل العنف سيعتمد على الثقافة التي تشرّبها الإنسان. كما ستكون هذه اللحظة تمهيدية لإحداث منعطفات تتفاوت في الشدة والأهمية في حياة الفرد أو الجماعة. إن أكثر الحروب ناتجة من اللامعنى. تفقد السياسة أو النظام الاقتصادي والاجتماعي المعنى فينتج عن ذلك الصراع. وفي نفس الوقت أيضا؛ كثير من الإبداع يولد في لحظات اللامعنى، حيث تؤدي الرتابة في تفاعل المعاني القائمة إلى حالة من السأم والملل بحيث لا يستطيع الإنسان توليد أفكار جديدة، فيُستهلك المعنى القديم حتى النخاع، وهنا لا بد من أن يوجد فاصل زمني من اللامعنى تمهيدا لولادة إبداع جديد. نحتاج إلى اللامعنى أحيانا لإحداث النقلة النوعية التي تقنع الإنسان في فترة زمنية معينة، ومن لا يصل إلى هذه اللحظة ولا يدرك حاجته إليها فهو انسان ليس لحياته معنى. تردُّد اللامعنى ودورته هو ما يكسب الانسان المعنى، كالأكل؛ لا يكتسب طعما ونكهة معينة إلا إذا غاب ذلك الطعم وتلك النكهة. يجب أن يمر الإنسان بلحظات يكون بلا معنى؛ بلا طعم ولا نكهة. لحظات يكون فيها أقرب إلى اللاوجود من الوجود. الكثير من السلوك والمواقف حولنا تكون بلامعنى؛ بلا قيمة ولا هدف ولا غاية، فهي لا تصنع تأثيرا ولا تترك انطباعا، ونحن ننتقدها على ذلك، ونطالب الإنسان أن يحمل المعنى في كل ما يفعل. ونغفل تماما أن اللامعنى يدفعنا باتجاه المعنى، والمشكلة عندما ندركه في الآخر ولا ندركه في الأنا. أي نستطيع أن نشاهد اللامعنى في الآخرين فننقدهم عليه برغم أنه خير لهم، وفي نفس الوقت ننفيه عن أنفسنا في الوقت الذي نحن أحوج إليه. يجب أن نجد في الدنيا ما نسخر منه وفي نفس الوقت يجب أن يوجد في أنفسنا ما يسخر منه الآخرون، ولا يجلب السخرية كما يجلبها اللامعنى.

استجابات تالية: الأيديولوجيا العائدة (ثلاث معالجات)
معالجة أولى
: على تخوم المناطق الفاصلة بين أنظمة الأفكار والعلوم المختلفة تعيد الأيديولوجيا تنشيط نفسها بقوة لتكرّس وتعزز الحدود الفاصلة بينها. في مناطق التخوم هذه يزداد التداخل وتشتبك الموضوعات والمفاهيم بحيث يصبح التمييز بين الثنائيات أمر صعب بدون تدخل أيديولوجيا الفصل التي لاشك أنها تقتات بشكل وآخر من عملية الفصل هذه. أقيس ذلك على الفصل بين المذاهب الدينية والفكرية، والفصل بين الأحزاب السياسية، بل وحتى الفصل بين فروع العلم المختلفة. تقوم الأيديولوجيا بتقسيم فجّ ومتكلّف للمفاهيم، وتكرّس ذلك عبر الممارسات والفعاليات الاجتماعية والتنظير العلمي. ليس من السهل الكشف عن خواء وبؤس هذا الفصل والتقسيم إذ يحتاج إلى أن نصطدم بالفشل مرات ومرات حتى نتوصّل فعلا إلى ضرورة استبدال نموذج التقسيم الثنائي بطيف المفاهيم والمعارف والموضوعات. غير أن الشيء المؤكّد والحتمي أن أيّة أيديولوجية تقوم بهذا العزل الصارم للعلوم والأنظمة الفكرية مصيرها الموت والتلاشي مهما طال بها الزمن، لأنها تعمل ضد إرادة التاريخ والواقع.

معالجة ثانية: الأيديولوجيا هي تحويل منظومات الأفكار إلى مشاريع للتحكم بالواقع والسيطرة عليه بغية الوصول به إلى الأفضل. الدين يمكن أن يصبح مشروعا لتوجيه الواقع باتجاه معين، السياسة كذلك، العلم أيضا قد يؤدلج، وكذا الفن والثقافة. وفي الواقع كل منظومات الأفكار يمكن أن تتحول إلى مشاريع لتوجيه الواقع والتحكم فيه؛ حتى قضايا حقوق الأنسان وحقوق المرأة والطفل والعمال والشواذ والرفق بالحيوان وحماية البيئة وحرية الرأي. الأيديولوجيا كمفهوم تطور مع الزمن فأصبح ذو وقع سلبي على النفس في ثقافتنا، إذ أصبح يرتبط بوجود جماعة تخطط للوصول إلى السلطة ومن ثم لتفرض أجندتها على الواقع، كما أن أغلب الصراعات والحروب نشأت وتنشأ بين الأيديولوجيات المتنازعة، وكل واحدة منها تدعي أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتحتكرها لنفسها، وتريد أن تفرضها على الناس باعتبارها الحل الشامل والنهائي لكل مشاكل الحياة. لهذا ترفض الكثير من الجمعيات والأحزاب والمؤسسات المدنية هذا المصطلح وتنفيه عن نفسها، كما أنها تخفف من لهجتها في كل مرة يتم محاصرة رموزها إعلاميا وثقافيا متبعين منهج التقية والعمل السري والعمل الإنساني انتظارا للتمكن. لقد أثبتت الأيديولوجيات الأحادية فشلها في أغلب الأحيان، وإذ ما حققت نجاحا معينا في مكان ما فإنها في مرحلة لاحقة تخفف من قبضتها نحو إتاحة المزيد من الحريات، لذا لا بديل عن التعاون والمشاركة والتنوع في التعامل مع الواقع وإدارته الإدارة الأمثل. وهنا تشكل المجالس الشعبية والنقابية والجمعيات العمومية ضمانة لتحقيق هذا التنوع في الحكم والإدارة، ومنع السلطة الانفرادية. وبدون ذلك يكون المستقبل مخيف إلى حد كبير.

معالجة ثالثة: الطوباوية تجتذبنا أكثر مما يجتذبنا الواقع. الطوباوية هي الحلم بالمدينة الفاضلة والمخلص الموعود، وإقامة دولة السماء في الأرض. لهذا فكل من يلعب على هذا الوتر يحصل على تعاطف الجمهور، وخصوصا من البؤساء الذين أرهقتهم الحياة بمتطلباتها وظلمها وقسوتها. الطوباوية تجدها متجلية بقوة في الخطاب السياسي والديني للأحزاب والأيديولوجيات. فهذه الفكرة تشكل رصيدا قويا تجتذب لهم القلوب والعقول. وهي مخادعة بدرجة كبيرة، بل ووهم ما انفك يقيم دول ويسقط دول بدون أن يثمر ولو شيئا ضئيلا من الجنة الموعودة. وكل ذلك بسبب لاواقعيتها واعتمادها على الانفعالات الظرفية للجمهور. ما نحتاجه فعلا هو تفكيك هذه الطوباوية والتخلص من شعاراتها، وإحالتها إلى مشاريع اجتماعية عملية بعيدا عن الاستقطاب اللاهث وراء كرسي الحكم. قليل من الواقع يغني عن كثير من المثال.