أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

التوبة.. كمفهوم علماني

*محمد العجمي

تبدأ جذور مفهوم التوبة من الدين؛ من عودة العاصي إلى الله وتوقّفه عن التقصير في حقه، وإصلاحه لنفسه. ولاحقا يتحوّل إلى مفهوم تربوي نسقطه على ما حولنا، بما تتضمنه التوبة كممارسة من تواضع واعتذار عن التقصير، هذا التواضع الذي سيتحول إلى قيمة سلوكية يتمثّلها الناس في الاعتذارات بينهم، وإصلاح ما فسد من مودّة وإحسان. وما أجمل ثقافة الاعتذار! ومع ذلك فليست الصورة دائما بهذا النقاء، فلا تخلو خطاباتنا اليومية من استعمالات للمفهوم في تحقيق أهداف فئوية بوعي أو بغير وعي. وهذا ما أحاول الوقوف عنده؛ عبر عشر مقاربات أحاول خلالها انتزاع المفهوم من سياقه الديني المعتاد وإعادة التفكير فيه كمفهوم علماني. أقول علماني على اعتبار أني أحاول إنزال المفهوم من إطاره المثالي العالي إلى مستوى الاشتباك اليومي داخل فعاليات الدولة الحديثة، على اعتبار أن العلمانية في الأصل هي بنت الدين لو أخذنا رأي تشارلز تايلور.

(1)

ارتبطت التوبة منذ القدم بإمكانية التغيّر في السلوك البشري. الإنسان يتغيّر باستمرار لأنه دائما يريد أن يجرّب أشياء جديدة؛ قد تكون جيدة أو سيّئة. التوبة تحديدا تعني العودة والتراجع عن التغيّرات السيّئة، وهذا يستلزم وجود شعور حقيقي بأن التغيّر كان فعلا للأسوأ، وبالتالي حضور النيّة والعزم بالتراجع عن ذلك حفظا للنفس. لا نعرف تماما ما هو هذا الأسوأ، ولكن ما نعرفه أن كثرة الحديث عن التوبة يستبطن أن الناس يتغيرون للأسوأ؛ فيجب تذكيرهم باستمرار. التوبة بشكل عام سلوك صحّي وظاهرة تدلّ على التغيّر والتحسّن، وخصوصا أنها تشجّع الانسان على العزلة والنظر داخله، فهي اعتراف بالفشل وضرورة البدء من جديد. ولكن هذا لا يمنع أن يكون لها تجليّات أخرى.

(2)

لو تخيّلنا التوبة مثل باب فإنها سوف تفصل بين زمنين؛ ماض جميل وحاضر رديء، فهي تحمل من بين مدلولاتها العديدة حنينا إلى ماضٍ كان جميلا، أو أفضل من الوضع الحالي المتردي. ماذا يعني ذلك؟ هناك مقابلة يُفترض أنها تتم على أساس معرفي، فهناك خصائص ومزايا واضحة تفصل بين الزمن الجميل والزمن الرديء. وهذا الوضوح يستلزم ولادة ذلك الحنين الذي يتم تحقيقه بقرار التوبة. الحنين نفسه ليس بالضرورة أن يكون نابعا من أساس معرفي، فهو شوق لشيء كان في اليد وما عاد كذلك. لهذا التوبة كمفهوم علماني؛ مربك بعض الشيء؛ إذ لا يوجد معيار معرفي نهائي لتمييز الجميل عن الرديء، والشعور الوجودي متداخل مع الحقائق التي تولّد الحنين للماضي، ولكن ربما هذا الإرباك هو ما سيجعل التوبة من المرونة بمكان بحيث تتعدد تأويلاتها وتطبيقاتها.

(3)

الحديث عن التوبة شديد الصلة بفكرة حفظ الجماعة، وأن يكون الفرد أكثر مرونة وقدرة على التنازل لصالح إرادة المجموع. فالتوبة ليست سلوكا فرديا منعزلا عن نمط العلاقات داخل المجتمع. هي طريقة جديدة في الاتصال مع الآخرين والبحث عمّن يشبهنا أكثر، والتأكيد على هذه التشابهات كمعيار لبناء الروابط داخل الجماعة. ولهذا نجد التوبة غالبا باب مفتوح للفرد لكي يعود إلى الجماعة. طبعا هذا الأمر ناظر إلى صعوبة تكوين جماعة جديدة تحتضن الشخص الذي ينفصل عن جماعة سابقة. غاية التوبة وجوهر فلسفتها هو استقامة الفرد، إذ مع استقامته تستقيم الجماعة. يتم ذلك عبر تحرير الفرد وتخليصه من الشعور بالذنب والتقصير. هذا التحرير يتحول إلى أداة بيد الجماعة؛ تستعمله عبر مؤسساتها في ضمان ولاء الفرد والحفاظ عليه كشخص يشبه باقي أعضاء الجماعة.

(4)

التوبة فيها نزوع وتوقّف عن الفردانية، واتّكال على الجماعة في تحقيق السعادة والاطمئنان الداخلي. الفرد فشل في أن يحقق ذلك لنفسه بعد عدّة محاولات منه. وبات الأمر ضروريا الآن ليلقي بكامل إرادته في ساحة الجماعة. خذوني إليكم لأني فشلت في إسعاد نفسي. طبعا مع ما يصاحب ذلك من تنازلات ضخمة عن الطموحات القديمة، أو ربما إعادة توجيه البوصلة لهذه الطموحات. في المجمل هناك تجربة فاشلة في تحقيق الذات. الاعتراف بهذا الفشل ضروري، ولهذا في كثير من الأحيان تكون التوبة أمام الجماعة أو أمام ممثل عن الجماعة، يبارك هذا الاعتراف ويعطي الشرعية لتوبة العائد إلى الجماعة.

(5)

التوبة دعوة رائجة في المجتمع المثالي أكثر منها في المجتمع الواقعي. بطبيعة الحال على اعتبار أن الفاصل بين المثالي والواقعي هو في حضور المصلحة اليومية المعاشة في الخطابات المتبادلة. لهذا تجد أكثر من يتحدث عن التوبة هم رجال الدين والوعّاظ أولا، ثم السياسيون. لن تجد الحديث عن التوبة كثيرا مع التجّار أو أهل الصناعات والفنون المختلفة. فهاتين الفئتين؛ جماعة الدين وجماعة السياسة، هم أكثر من يستعمل شعارات المجتمع المثالي؛ في الغالب على شكل رؤى وخيالات وتصورات معينة عن المجتمع الأكمل والأمثل، وبالتالي التوبة ستكون دعوة مستمرة ومفتوحة لهذا المجتمع المثالي الفاضل.

(6)

تتعالق التوبة مع الصحة النفسية للإنسان بأكثر من شكل. هناك اختلال نفسي ما داخل الانسان؛ لا علاج له سوى بالتوبة. لهذا فالتوبة لها أبعاد إيجابية على الصحة النفسية للشخص المضطرب. وخصوصا الذي جاء اضطرابه من جملة قرارات اتّخذها في السابق وأدخلته في دوّامات كان في غنى عنها. لا يشترط أن يكون ذلك مع الحالات المتطرّفة، فالتوبة حاجة نفسية مستمرة لدى الانسان بشكل عام، ويستعملها في مجمل أحواله للوصول إلى حالة نفسية أكثر استقرارا. غاية الأمر أن درجة وأهمية وحضور قرار التوبة يختلف بحسب التغيّر الحاصل.

(7)

التوبة متصلة بالموت من أكثر من جهة. فهي استعادة للموت وللفناء في دار الحياة. التائب شخص يتدرب على الموت لا على الحياة. فقط لأنه جرّب الحياة وفشل فيها. ولهذا يفكّر الآن في التوبة من هذه الحياة. في أكثر الأحيان تصبح حاجة التائبين للتوبة موازية لحاجتهم للموت. ولهذا كثيرا ما ترتبط أدبيّات التوبة بتعذيب وترويض الداخل، واستحضار للجحيم والنهايات البائسة بشكل مستمر لكي ينجو الإنسان. يعذب الإنسان نفسه لكي يرغمها على الخضوع لفكرة النجاة والخلاص. وهنا التوبة الحقيقية لا بدّ أن تنتهي إلى الموت، فالإنسان يكره جسده ويريد التخلص منه لأنه يؤدي به ارتكاب الآثام والرذائل، ولكن لأن الموت مؤلم فيستعيض عن تلك التوبة الحقيقية بتوبة خيالية تعمل على مستوى المخيلة، تصوير خيالات متشبعة بالألم والندم والصراخ.

(8)

التوبة في بعض التجليّات استراتيجية بيد الجماعة أو الدولة لكي تقلل من جموح الإنسان للثورة والانفجار والتمرد، وتدفعه لتعويض ذلك بالخوف. لا توجد وصفة واحدة كيف يتم ذلك، ولكن ربما أحيانا عبر تذكير الانسان بالأسوأ القادم وتحذيره من ذلك بالإلحاح على أسوأ الأمثلة، وأحيانا عبر تشويه المجتمعات البعيدة، أو العودة إلى ماض جميل متخيّل، وأحيانا عبر إمكانية مسح الأخطاء. وهكذا فيمكن أن تكون التوبة أداة من أدوات السيطرة على نزعة الانسان إلى الخروج على النسق والنظام.

(9)

تتصل التوبة من نظرة أخرى بفكرة إعادة انبعاث الجسد. هي في فلسفتها محاولة لاستعادة السيطرة على الجسد وإعادة بعثه وتوجيهه من جديد. ولكن تمتزج هذه الفكرة بضرورة جرح هذه الجسد وتمزيقه لتوجيهه، عوضا عن انبعاثه في القالب الجميل الذي تنشده الذات التي تعيش عذاب المثالية. فكرة انبعاث الجسد مرتبطة أيضا بإعادة ارتكاب الخطيئة. عندما يتوب الإنسان ثم يعود لمعاقرة ما تاب عنه، فهذا متصل إلى حد كبير إما بفشله في إعادة بعث جسده أو لأن محاولته تلك جعلته يكتشف قربه من جسده وحبه له.

(10)

نجاح وفعالية التوبة مرتبط بشدة بمقدار ما يستحضره التائب في داخله من المحسوس والمجرد. في الغالب المجرّد أكثر ثباتا من المحسوس، فكلما استحضر أشخاصا أحياء يعيش بينهم كلما كانت توبته ظرفية وذات مفعول مؤقت، أو نفس توبته هي ضرب من الوهم والخداع والتحايل على الواقع وليست مشروع حقيقيا لإعادة انبعاث الجسد. على العكس من استمثال قديسين وشخصيات عظيمة رحلت عن الحياة وبقيت أمثالها وتعاليمها. ولهذا فيمكن القول إن أكثر التوبات نجاعة وفعالية هي تلك التي يتفوق فيها حضور المجرد العظيم والمطلق المتعالي على الثقافة واللغة والوعي اليومي المتبدّل.

أخيرا فإن التوبة من عدة زوايا تحمل نفس فكرة مسامحة الذات، بل وإجلالها لأنها تسامت حتى أصبحت قادرة على تقديم الاعتذار، ومن هنا تتحرر من ربقة المكابرة والإصرار على الخطأ. هذا التحرر قد يأتي صامتا، ولكن أيضا قد يأتي في صورة طلب للعفو والمسامحة، وبالتالي إعلانا عن الرغبة في التطهّر. في الصورتين نحن مدينين لأنفسنا هذا التنازل والتواضع. الامتنان للحافز الخارجي يجب أن يستمر، ولكن مع التأكد من أن أحدا لا يعيد تدوير الخطيئة الأولى لغاية في نفسه.


*نشر في مجلة مواطن بتاريخ 20 سبتمبر 2021