أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

قراءة نقدية لمفهوم الخصوصية

من كتاب داخل العقل النقدي – محمد العجمي

ترد الخصوصية لتدل على تلك المعلومات الخاصة بفرد ما أو مؤسسة، والتي لا يمكن تداولها بدون استئذان، وفعل ذلك سيعتبر جناية بحكم القانون. الخصوصية بهذا المعنى متصلة بالضرر الذي يترتب على التعدي على الأفراد والكيانات من خلال نشر معلومات وصور وتفاصيل لا يرغبون في تداولها إلا في نطاق محدود هم يتحكمون فيه، وهي بهذا المعنى واضحة ومفهومة؛ حتى مع الجدل الشديد الذي تثيره عندما تتقاطع مع حرية التعبير أو مع الملكية الفكرية. ليس هذا المعنى للخصوصية ما أريد الحديث عنه هنا؛ وإن كان لا يبعد كثيرا عما أقصده، بل أحاول التركيز على الخصوصية كمفهوم متصل بالهوية والثقافة؛ الخصوصية في مقابل الكونية، أو الخاص في مقابل العام. ستشير الخصوصية بالتالي إلى كل ما هو ثابت وأصيل ومميز لجماعة أو شعب معين دون غيرهم؛ أي إلى هويّتهم التي اكتسبوها عبر القرون الطويلة، بينما ستشير الكونية إلى المشترك الانساني الكلي بين جميع الأمم والشعوب.

لا يخفى هنا أن مفهوم صراع الحضارات ينشط ويطغى مع التركيز على الخصوصيات، على العكس من مفهوم حوار الحضارات؛ الذي يزداد حضوره مع التركيز على الكليّات الانسانية عند شعوب الأرض جميعا. الانفتاح سيعني بالضرورة الانزياح إلى العام، في مقابل الانغلاق الذي سيعني الانزياح إلى الخصوصي. يتحرك النقد في هذه المناطق البينية؛ بين الخاص والعام. فهو قد ينتهك حدود الخاص ليدخل عليه عناصر كونية، أو يغلق الأبواب على الكوني ليقلل من انتهاكاته للخصوصية. ومن هنا يصبح النقد؛ دائما؛ حركة مضادة تعمل على مواجهة الانغلاق عندما يكون الانفتاح ضروريا، أو مواجهة الانفتاح عندما تنتج عنه تصدعات في الهوية. ما يحدد هذه الضرورة هو الدوافع الأخلاقية التي يلتزم بها الناقد، وبالتالي يستطيع أو لا يستطيع أن يقنعنا عبرها بالانفتاح أو لا. طبيعة التحدي الذي يواجهه النقد تكمن في مشروعية الدوافع الأخلاقية للانفتاح، فلا يوجد أسهل من دعوة الكوني للدخول على الخصوصي، أو ادّعاء قدرة الخصوصي على الاكتفاء بنفسه. ولكن الأهم والأصعب هو تقديم المبررات الكافية لسلوك أحد المسلكين. السؤال الذي يلخّص هذا التحدي هو: متى ننفتح على الكوني؟

تبدأ الاجابة من مسألة الهوية؛ حيث الثابت والجوهري الذي يرافق الفرد أينما حلّ وذهب. هل هذا الثابت كاف فعلا ليعرف الانسان ذاته ويحققها؟ مع ضرورة الالتفات إلى أن معرفة الذات رحلة موازية تماما لتحقيقها. إذ لا تكفّ هذه الذات عن التغير مع التعلّم والخبرة والتجارب، فهي في كل مرحلة تبحث عن المزيد مما يجعلها أعمق إدراكا لماهيتها، وبالتالي تحقق وجودها على النحو الذي يقابل هذه الماهية ويلائمها. فهل هذا الثابت هو فعلا ثابت عندما يلقي الانسان نظرة إلى الوراء مستعيدا طفولته؟ ضمن محيط الفرد نفسه سيجد أن ما هو جوهري فيه هو ثابت مرحلي غير ملحوظ إلا مع تجميع فترات من العمر. فمثلا؛ اكتساب لغة جديدة سيغير موقع اللغة الأم في الهوية، فبعد أن كانت هي الوحيدة في التواصل مع الخارج؛ أصبحت هناك لغة أو أكثر تتقاسم تعريف الذات للعالم الخارجي.

كذلك عندما يسافر الانسان ويتعرف إلى بيئات جديدة؛ إذ لا يعود المكان الأصلي هو الوحيد الذي يعرّفه، إذ سرعان ما يحضر للذهن أماكن استقر فيها الانسان لفترة وصارت مفتاحا من مفاتيح الهوية، وهكذا مع القراءة؛ إذ تمد الانسان بعوالم وطرائق في التفكير والنظر، وتبصّره بتجارب ومناهج آخرين في التحليل وبناء التصورات، فلا يعود ذلك الفرد بعد مدة من مرافقة الكتب والعقول الأخرى هو نفسه قبلها، فإذا تحدّث انكشف للآخر عن أفكار ورؤى جديدة أو مختلفة. وهكذا سنجد أن ما هو جوهري في الهوية يتعلق تعلقا شديدا بتعالق هذه الهوية مع المتغيرات من حولها. وربما هنا سنتردد في لوم من يشيطن الانفتاح عندما نعلم أنه لم يتعلّم لغة ثانية مثلا أو لم يغيّر مكانه مرّة واحدة على الأقل أو توقف عند قراءة كتبه القديمة، وقد نتردد أكثر عندما نضيف لذلك تعالقات أخرى مع الواقع لم يجرّبها هذا الانسان؛ كالمشاركة السياسية والتجارة والعمل المدني والمشاريع البحثية والاشتغال الفني والتصوف، وكل هذه الفعاليات تحرك؛ ولو قليلا؛ الثابت الذي في الهوية نحو آفاق جديدة.

تؤدي الخصوصية للفرد وللمجتمع مجموعة من الوظائف المهمة، ومعرفة ذلك سيساعد في الكشف عن موقع الثابت في الهوية وأهميته، ومتى تحديدا سيكون الانفتاح مهددا فعلا لهذه الهوية. الوظيفة الأولى والأهم للخصوصية هو تعريف الذات؛ للفرد وللجماعة. فنحن ما لدينا من خصوصية؛ سواء كانت مكانا أو لغة أو دين أو إثنية أو عادات أو ممارسات أو منتجات. هذا التعريف هو أول ما تدركه الذات وهي تتشخّص في المجتمع وتكتسب تعريفها منه، ويظل يصاحبها في كل لحظة. هذا التعريف سيكون بمثابة الذاكرة الدائمة للإنسان، والذي بدونها سيصبح بلا ذاكرة؛ وبالتالي سيكفّ عن أن يكون شخصا أو مواطنا. فالتعريف يعني الحلقة الأولى في الانتماء، والتي بدونها لا يمكن أن تتكون أية حلقات أخرى تالية، وبطبيعة الحال؛ ما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعة، مع زيادة قضية مهمة؛ وهو التلاحم. تزداد الحاجة لإبراز الخصوصية وتكثيف حضورها؛ كلما اتّسعت الجماعة، وذلك لتأكيد تلاحمها وتماسكها. وهذه هي الوظيفة الثانية للخصوصية؛ أي الحفاظ على تلاحم الجماعة.

تؤدي الخصوصية وظائف أخرى مهمة؛ فهي خط الرجعة الأخير عندما تتعرض الجماعة لتهديدات وجودية بمستوى احتلال، أو حرب أهلية أو تدمير ثقافي أو انهيار اقتصادي. فما إن تعود الجماعة إلى هذا المربع الأول؛ حتى تعيد شحن نفسها بهذه الذاكرة وتستأنف الحياة من جديد. كذلك تلعب الخصوصية دورا اقتصاديا عندما تتحول عاداتها ومنتجاتها إلى سلع ثقافية أو مادية أو خدمية تسهم في ترويج الجماعة لنفسها وتوفير فرص عمل لأفرادها وجلب المال الخارجي إليها. نستطيع بعد ذلك أن نحدد أن الثابت في الهوية هو الخصوصية، وأن الثابت في الخصوصية في حقيقة الأمر هو هذه الوظائف التي يجب أن تستمر، فإذا كان الانفتاح يؤدي إلى تعطيل هذه الوظائف؛ هنا يصبح الانفتاح مهددا فعليا للهوية. ولكن مع ذلك؛ إلى أي مدى يمكن لمثل هذه الوظائف أن تتعطّل؟ فمن الممكن جدا أن تتغيّر، أو تتغيّر طريقة تنفيذها.

الحديث عن العلاقة بين الانفتاح والخصوصية، والتضارب المستمر الذي يقع بينهما، والذي يؤدي إلى ارتباك وضعف الخصوصية في أداء وظائفها، يأخذنا إلى نقطة مهمة تكشف لنا كيف أن هذا التضارب قد يكون مفتعلا وليس حقيقيا، وهذه النقطة هي المصلحة العامة. فالمصلحة العامة مفهوم برز مع ظهور الدولة ككيان ممثل للإرادة الكلية للمجتمع، فأصبحت الدولة ممثلة في الحكومة؛ جهازها الرئيسي؛ هي المسؤولة والكافلة والمتحدثة باسم المصلحة العامة؛ المصطلح الذي سيكون له حضور كبير في أدبيات الحكومة وصحافتها الرسمية. عادة ما يعمل الانفتاح بشكل عفوي وغير مخطط، فالفكرة الجديدة أو الجهاز الجديد الذي يدخل إلى المجتمع ويبدأ الأفراد في التعاطي معها؛ يصاحب ذلك تغيرات في القناعات وآليات تنفيذ الأعمال اليومية. وهذه التغيرات تتراكم بشكل لاواعي لتصنع بعد مدة التغيير الذي لم يكن أحد يخطط للقيام به قبل تلك المدة.

هذا الانفتاح في الغالب يحدّث الخصوصية بدون أن تتوقف أي من وظائفها، حيث أنها تتكيف مع التغيرات الجديدة بشكل تلقائي، وتغير بالتالي في طريقة تنفيذها لهذه الوظائف. غير أن هناك في مراحل تاريخية معينة؛ تتعرض الجماعة لغزو ثقافي ممنهج له نيّة مبيّتة سابقا لخلخلة ثقافة المجتمع وإضعاف تماسك أفراده الذي القائم على هذه الثقافة. مثال ذلك في بعض آليات العولمة الثقافية أو حتى الاقتصادية؛ خصوصا عندما تشترط المؤسسات الدولية معايير معينة يجب أن يقابلها المجتمع قبل أن يستفيد فعلا من مزايا العولمة. هنا يُفرض الانفتاح فرضا على المجتمع، ويصبح فعلا مهددا للوظائف التي تحققها الخصوصية للمجتمع. تصبح الدولة ملزمة باسم المصلحة العامة لحماية خصوصية المجتمع. فيتم سن التشريعات التي تحافظ على هوية المجتمع وفي نفس الوقت لا توصد الأبواب في وجه المنافع التي يُتحصّل عليها جرّاء الانفتاح على العالم.

المسار الآخر الذي تعمل فيه المصلحة العامة على الخط بين الخصوصية والانفتاح، هو عندما تفتعل الدولة التضارب لأسباب متصلة بأيديولوجية السلطة أو النظام. المصلحة العامة هنا تصبح شعارا تتخذه السلطة ذريعة لضمان الحفاظ على الصور النمطية التي تؤصّلها منذ زمن طويل للحفاظ على نفسها بأقل جهد ممكن. لا يوجد تهديد حقيقي للخصوصية سوى التنوع الذي تفرضه ضرورات الانفتاح على العالم، وهو تنوّع إذا ما سار منسابا بتلقائيته فسوف يؤدي إلى ولادة مبادرات ومشاريع مدنية تنافس مؤسسات الدولة المتصلة هرميا برأس الدولة؛ في تعريف الخصوصية. هذا التنوع سيجعل المقابلة بين الخصوصي والكوني تطفو على السطح وتستقطب الموهوبين والمبدعين ليؤكدوها كجدلية داخل المجتمع. وفي الحقيقة هناك مسوغات فعلية تبرر لهذه الجدلية الانتشار داخل المجتمع. وبالتالي الالتفات إلى حقيقة نوايا السلطة واستراتيجياتها في السيطرة.

يوجز ريموند واكس هذه المسوغات في أربع غايات رئيسية هي: تحقيق الفرد لذاته، وبلوغ الحقيقة، وضمان مشاركة أفراد المجتمع في عمليات صنع القرار الاجتماعي الذي ينطوي على جانب سياسي، وتوفير وسائل الحفاظ على التوازن بين الاستقرار والتغيير في المجتمع [1]. ملاحظة هذه الغايات يكشف لنا عن وعي يتحقق لدى الجماعة في علاقتها مع الخارج بعيدا عن تدخّل السلطة، والتي ستحرّكها الأيدولوجية المستبدة في اتجاه رفض هذا الانفتاح، عبر ربط المصلحة العامة بالصور النمطية التي يجب الحرص على ترسيخها وتأكيدها. وهنا أجد من المهم الحديث عن هذا التنميط، والذي سيساعدنا؛ كما أرى؛ في فهم كيف تصبح الخصوصية تحديا وعائقا أمام التحديث الضروري للتقدم؛ بإيعاز معلن أو ضمني من السلطة.

النمط هو تعميم واسع جدا عن الآخرين؛ يتمسّك به الفرد على شكل صور ومعتقدات تمثل السمات الغالبة لهؤلاء الآخرين. شحّ المعلومات عن تلك السمات هو الدافع الأهم لتكوين الصور النمطية، حيث تصبح الفوائد التي تصنعها لتعويض هذا النقص في المعلومات دافعا لانتشار النمط وكثافة حضوره [2]. يوجز أحمد زايد هذه الفوائد في كونها تمكن الأفراد من التنبؤ بكيفية تصرف جماعة معينة؛ بصرف النظر عن صواب وخطأ التنبؤ، كما أنها تزود بمجموعة من الارشادات والموجّهات حول شكل التفاعل المطلوب. تظهر أهمية الصور النمطية كثيرا في السفر على سبيل المثال، حيث تصبح مهمة للتصرف الصحيح خلال السفر؛ كما هو الحال في تقديم الاكرامية، وهو سلوك متباين بين الشعوب.

هناك مساوئ عديدة للصور النمطية يذكرها د. أحمد زايد في كتابه سيكولوجية العلاقات بين الجماعات [3]، ويلخّصها في:

  • المغالاة في تقدير الاختلافات بين الجماعات.
  • الاستهانة بالتباينات داخل الجماعة.
  • تحريف وتشويه الواقع.
  • تبرير العدوان.

الأساس المعرفي للصور النمطية هو التصنيف، أي ذلك التركيز التلقائي على الخصائص التي تجعل جماعة من الأفراد متشابهين، وبالتالي مختلفين عن غيرهم من الجماعات الأخرى [4]. الصور النمطية تعفي الفرد عن إحراز الواقع الحقيقي لما عليه الآخرين، إذ يكتفي بهذا التصنيف الذي يصبح مقبولا؛ وخصوصا مع الكسل المعرفي لدى أغلب البشر. الخصوصية هي بشكل من الأشكال صور نمطية عن الذات الفردية أو الجمعية لدى مقارنتها بغيرها. من الممكن أن تتجاوز الخصوصية تلك الصور النمطية عن الأنا والغير، وذلك عبر دراسات علمية؛ كالتي تتم في علم النفس الاجتماعي، وبالتالي تؤدي إلى مزيد من الفهم للفرد والجماعة وللآخر. ولكن مرة أخرى؛ قد لا يناسب ذلك السلطة؛ وخصوصا المستبدة منها، إذ أن عقلنة الصور النمطية يفسد النموذج الذي تريد الترويج له للخصوصية. ولفضح ذلك فنحتاج للكشف عن أشكال التعالق بين الخصوصية والتنميط.

يطرح أحمد زايد ثلاث أفكار مهمة لنشأة الصور النمطية [5]، وسأحاول هنا إيجازها مع توضيح صلتها بالخصوصية:

  1. خداع التجانس: من الممكن أن تتصل الخصوصية بالتنميط الداخلي بالمجتمع من جهة ما يسمى بخداع التجانس، وهو يشير إلى ذلك الشعور القارّ في الداخلي بأن الخارجي أكثر تجانسا، وهو وهم ناتج من قلّة ما نعرفه عن الخارجي في مقابل كثرة التفاصيل التي لدينا عن الداخلي. تبرز هنا الحاجة لخطاب الخصوصية كمحاولة لتحقيق التوازن الداخلي والحفاظ على تماسك الجماعة وتجانسها عندما تقارن بالجماعات البعيدة. ما يحدث أن المعلومات الوافدة إلينا عن الآخر قليلة وبالتالي لا نحتاج سوى لفئات وعناوين عامة قليلة لتنظيم هذه المعلومات وتصنيفها، على العكس مما نعرفه عن أنفسنا، والذي بالضرورة سيحتاج إلى فئات وعناوين أكثر، وهكذا سنبدو أمام أنفسنا كما لو أننا أكثر انقساما وتوزيعا. فتأتي السلطة على الخط لاختصار ودمج هذه الفئات الكثيرة لتكون مماثلة لتلك التي شكلناها عن الآخر. ستكون الخصوصية هي الوسيلة لتحقيق ذلك.
  2. الارتباطات الزائفة: ينشأ الارتباط الزائف بين متغيرات غير موجودة في الواقع، وذلك فقط لأنها جرت في نفس الوقت، حيث تبدو كما لو أنها مرتبطة؛ إذ لا يمكن أن يقعا معا اعتباطا، ولنا هنا أن نتخيل عجوز تعرضت للسرقة فتعرض عليها الشرطة عدة مشتبه بهم، فتركن إلى ارتباط زائف بأن الرثّ منهم قد يكون هو السارق. يقع الارتباط الزائف أيضا مع الأحداث الأقل تكرارا؛ حيث تلفت انتباهنا أكثر من الأحداث المتكررة. هذه الارتباطات الزائفة قد تصبح جزءا من محتوى الخصوصية تحت تأثير إرادات تدس علاقات ظرفية لا تشكل سمة حقيقية للجماعة، ولكن يجب أن تصبح كذلك حتى تتضخم هذه الخصوصية وتتضخم. فحدث نادر يلفت الانتباه قد يصبح سمة للجماعة تحت تأثير الاعلام الموجّه.
  3. عدالة العالم: تشير فكرة عدالة العالم إلى النزوع نحو تبرير الأحداث على نحو يجعل وقوعها حتميا، فهذا ما كان يجب أن يقع لسبب من الأسباب. فالرجل الذي يعنف زوجته؛ لا بدّ أنها هي التي أجبرته على ذلك بسبب استفزازها له، أو التبرير لعنف الحاكم باعتبار أن هذا ما يستحقه الشعب، أو أن المرضى مسؤولون عن أمراضهم. يسهم هذا الاعتقاد بأن كل ما يجري؛ يجري لحكمة ما، في تحريف انطباعاتنا عن الوقائع وتكوين صور نمطية غير صحيحة. تتعالق الخصوصية مع فكرة عدالة العالم عندما يتم تكوين صور نمطية سلبية عن الآخر انطلاقا من أن هذا قدره، ولا حاجة لمزيد بحث وتعمق. وكذلك عند نسبة صورة نمطية إيجابية عن الذات انطلاقا من أن نذلك ما نستحقه، ولا يوجد أدنى ظلم في هذه القسمة في العدالة للمزايا. تلعب السلطة على ذلك كثيرا، للترويج لخصوصية مكتنزة بالوهم.

أعود الآن للسؤال الذي انطلقنا منه في هذه المقالة: “متى ننفتح على الكوني؟”، وهو سؤال تخترقه أيضا الصورة النمطية المؤدلجة، وذلك عندما تسود صورة من صراع أزلي بين الخاص والعام، حيث العام يتربّص دائما بالخاص ليفسده، وهي صورة يشير إليها عبد السلام بنعبد العالي عارضا لذلك التناقض داخل النظام الليبرالي بين الخصوصي والعمومي، حيث الفردانية التي لا تتحقق إلا إذا ارتكس الفرد في خصوصيته عازلا نفسه عن العمومي الذي يتربص به لينتهك مجاله الخاص [6]. التنميط هنا يقع عندما تسود مبادئ ليبرالية من قبيل “تبدأ حريتي حيث تنتهي حرية الآخر”، وهذه تفترض مقدما أن مجال الحرية الفردية هي الخصوصي لا العمومي، وهو عكس ما يدعو إليه النظام الليبرالي ويرسّخه؛ أن يكون الكوني هو مجال حرية الانسان.

يتبع ذلك بالضرورة تناغم وانسجام بين الخاص والعام. حيث تترك الخصوصية لأصحابها، فليس مهما أن يكون الفرد مثليا أو لا يكون أو أن يكون للفتاة زوج سري أو لا يكون؛ هذا شأنه وشأنها، إذ ليس هذا ميدان الحرية الليبرالية. بل ميدانها هو العام؛ المشاركة السياسية والعمل المدني والنشاط الحقوقي محليا وعالميا. الانفتاح على العام لا يتحقق ما لم يتم تجاوز ثنائية الخاص والعام، لتصبح الخصوصية هي الجزء المكمل للكوني، والكوني هو الجزء المكمل للخصوصية، وهكذا فلا يشعر الانسان اللاديني بأي استقلالية إضافية عندما يفطر متعمدا في نهار رمضان، في الوقت الذي يحرّك بنشاط عريضة للإفراج عن سجين رأي حافه ظلم في دولته. تماما مثلما لا يضير خصوصية فتاة شيئا أن يقاطعها أهلها لأنها اختارت شريك حياتها بنفسها، في الوقت الذي تحظى بدعم معنوي من ناشطين في حقوق المرأة من وراء الحدود.

ترد الخصوصية في سياقات أخرى عندما تصبح أشبه بالغدة التي تفرز الأنزيمات الصانعة للقومية. الغاية الكبرى لهذه الخصوصية هو صناعة جماعة أو أمّة أو شعب غير قابل للاختزال والتجاوز. وهي بهذا المعنى تكاد تكون مرادفا لمفهوم العصبية؛ والذي ينتج معظم مشاعر الانتماء والولاء لدى أعضاء الجماعة، فيعطيهم ذلك الاحساس بالقوة والمكانة والأهمية [7]. بمعنى آخر؛ يجب أن نكون رقما مهما في حسابات الآخرين. فإذا قيل العرب كقومية؛ فيجب ألا يلغي ذلك العمانيين والاماراتيين، وأن هاتين الجماعتين متمايزتان. الخصوصية هنا تجتهد بكل ما أوتيت من قوّة لتصنع لنفسها نموذجا، ثم تنصرف لتسويق هذا النموذج باعتباره فريدا ولا يتكرر، ويمكن للآخرين الاقتباس منه مع الاعتراف بأحقيته كنموذج مستقل ومنفصل.

الصور النمطية هي الوسيلة الوحيدة تقريبا للخصوصية حتى تثبت أنها فعلا نموذج يستحق الاعتبار والاعتراف. نستطيع نحن أن نصدق بأن نموذجنا واقعي، ولكن إلى أي درجة يمكن أن يقنع الجماعات المغايرة لنا بصدقيته؟ هذا موضوع يحتاج للتأمّل. فالنموذج في أي معرفة؛ هو تبسيط للواقع التجريبي واختزاله في تشكيل بصري أو مفاهيمي يجمع أهم خصائص ومكونات ووظائف المعرفة والعلاقات القائمة داخلها. الواقع التجريبي يقاوم التبسيط في هذا النموذج تماما مثلما يقاوم النموذج التعقيد في الواقع التجريبي. ومن هنا فإن النموذج هو في حالة عدم استقرار أبدية، ولا يعمل إلا في ظل فرضيات كثيرة تصنع واقعا مفصلا على مقياس النموذج، واقعا يعشعش في الأذهان أكثر مما هو حقيقي؛ واقع موازي خاص بالنموذج. يصبح النموذج هنا أهم من الواقع، وهذا ما يدخلنا في أيديولوجية السلطة وبرنامجها التنميطي. فالخصوصية بقدر ما تستمد مبررات وجودها من الواقع، بقدر ما تتعالى على هذا الواقع؛ تحت الرغبة الملحة للانتشار وجلب المنافع.

في ضوء ذلك فإنه لا يؤمن أن يكون خطاب الخصوصية متعاليا؛ يحتقر الخطابات المنافسة التي تدعو إلى الكليّات وعدم الثقة في النموذج الذي سيحمل عناوين من قبيل النموذج العماني أو النموذج الهندي، بسبب الاختزال الشديد فيه. وفي نفس الوقت حتى لا يخرجنا النموذج المدّعى عن مسار التاريخ لنبقى أسرى المثالية الزائفة لخطاب الخصوصية. معالجة هذا التجاذب بين النموذج والواقع المنتج له يمكن أن يكون عبر مسارين؛ سيكشفان عن الحد الفاصل بين الخصوصية الصادقة والخصوصية الزائفة. المسار الأول هو الاستقلالية؛ إلى أي حد يحظى أفراد مجتمع الخصوصية بالاستقلال والحرية في أفكارهم؟ وهذا سيشمل حرية التعبير وحرية اختيار الشريك وحرية اختيار الدين وحرية الانتماء السياسي والنقابي وغيرها من الحريات العامة. في المجتمع الشمولي والمستبد بأفراده؛ سيكون أي خطاب للخصوصية مشكوكا فيه. المسار الثاني هو فكرة المتخيل المشترك كما يطرحها بنديكت أندرسون في كتابه عن الجماعات المتخيلة.

الخصوصية هنا في حقيقة الأمر هي المتخيل المشترك للجماعة، وهو بذلك يتقاطع في بعض جزئياته مع الجماعات المجاورة، وتقل هذه التقاطعات كلما ابتعدت الجماعات الأخرى مكانيا وزمانيا. من طبيعة المتخيّل المشترك أنه ليس له حدود قاطعة ومنتهية وفاصلة فصلا حادّا، بل هي ناعمة وسائلة عند جوانبها. أيضا المتخيل المشترك لا يوجد له مركز واضح، فهو لا يتمحور حول بؤرة مركزية تصدر عنها بقيّة عناصر المتخيل. فكل عنصر هو مركز يجذب ويطرد بقية العناصر بحسب كثافة المحتوى الكامن فيه. الخصوصية هنا لا تعود شعارا يرفع ولا خطابا يوجّه؛ بل ثقافة وفنون وأفكار ومنتجات.

تصبح الخصوصية هي روح الجماعة السيّالة في جميع الاتجاهات، ودورها هو التعبير عن الجماعة وإعادة رسم صورتها في كل مرة تتفاعل مع الجماعات الأخرى. الصور النمطية هنا ليست جزءا من الخصوصية كما تفهمها الجماعة نفسها، بل كما تفهمها الجماعات الأخرى. تصبح الخصوصية في حقيقة الأمر؛ ما يشاهده الآخر، لا ما تشاهده الجماعة في نفسها. وما يشد الجماعة ويجعلها متماسكة؛ ليست الخصوصية، بل استقلال الأفراد وقدرتهم على تحقيق ذواتهم داخل الجماعة، والمتخيل المشترك للجماعة.


المصادر:

[1] ريموند واكس، الخصوصية، ترجمة ياسر حسن، سلسلة مقدمة قصيرة جدا، مؤسسة هنداوي 2013، ص١٠٧

[2]  أحمد زايد، سيكولوجية العلاقات بين الجماعات، عالم المعرفة ٣٢٦، ص١٢٨

[3]  السابق، ص ١٢٩

[4]  السابق، ص١٣١

[5]  السابق، ص ١٣٢-١٣٩

[6]  عبد السلام بنعبد العالي، ثقافة الاذن وثقافة العين، دار توبقال 2008، ص١٠٤

[7]  مصطفى حجازي، الانسان المهدور، المركز الثقافي العربي 2006، ص٤٦