أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

عن العقل النقدي والتنوير في فلسفة د. فتحي التريكي

*محمد العجمي


يقع النقد في قلب أي مشروع تنويري، بل إن التنوير كمشروع ما هو سوى نقد. غير أن الفرق هو أن النقد في التنوير يتجه للعقل؛ أي نقد العقل؛ العقل كبنية كلية تمثل النهايات الكبرى للمجتمع والثقافة والأمة. في نقد العقل؛ يكون تركيز النقد على الكشف عن عيوب نموذج التفكير السائد وثغراته، تمهيدا لإحلال نموذج آخر أكثر صدقا وواقعية. التنوير يقع عندما يبدأ النموذج الجديد في العمل واكتساب الممارسين الذين ينسحبون تدريجيا من النموذج السابق إلى الجديد. العقل النقدي هو من يقوم بنقد العقل، ولكي ينجز المهمة فإنه:
• يغربل المعلومات ليستخرج ما يصدق عليه أنه معرفة ويستبعد الزائف منها.
• يكشف عن التناقضات والوهم والخداع في التفكير وفي الثقافة بما يقوّض بُنى التخلف المعشعشة في المجتمعات.
• ينتج المفاهيم والعناوين التي تعيد طرح التساؤلات القديمة أو تصنع الجدل المفضي إلى الوعي الجديد.
• يمكّن الفرد (والمجتمع) من قيادة نفسه بعيدا عن الافتراضات القروسطية الهلامية بضعف الانسان وعدم قدرته على إدراك مصالحه.
فنقد العقل بعبارة أخرى يعني تحرير العقل من قيوده لكي ينطلق ويعمل بكامل طاقته، وهذا هو جوهر التنوير؛ أن تكون عند الانسان شجاعة أن يعرف [1]. يجب الاعتراف بأن التنوير مشروع حضاري ضخم؛ تحرير العقل هو الشرارة المفجرة للمشروع، والذي ستكون له ميادين كثيرة للعمل، لا تقف عند حدود العلوم والتقنية؛ بل تمتد للأخلاق والفنون وتشريعات العمل والنظام الاقتصادي وحقوق الانسان والعمال والمرأة بالاضافة إلى المجالات الكلاسيكية للتنوير كالاصلاح الديني والسياسي والاجتماعي. كذلك؛ التنوير مشروع لم يكتمل كما يقول هابرماس، ويعني ذلك أن نقد العقل قضية خاضعة للتاريخ، وبالتالي لم يصل إلى مرحلة الانقطاع والاكتمال، فلم يصبح متعاليا منغلقا. التاريخية تنفي النسق عن العقل، أو تجعل النسق في حدود تجميع المتشعب والمتوزع؛ في وحدة تجعل نقد العقل علما له منهجه؛ دون إغلاق هذا المنهج [2].
نقد العقل يصبح بذلك مشروعا تُكرَّس له الطاقات، ولا يُنجَز في لحظة واحدة عبر كتاب أو مجلة أو مقالة. بل ليتحقق فعلا ويؤدي إلى التنوير فيجب أن يكون هناك تراكم نتاج أجيال من العقول الفذة والمبتكرة؛ تسهم كل منها في نقد العقل السائد في جانب من جوانبه ووجه من وجوهه. فهو مشروع مستمر، ويظل يتطور؛ يشتعل أحيانا ويخبو أحيانا أخرى؛ دون توقف؛ فالانسان لا يتوقف مطلقا عن البحث عن حياة أفضل ولتجاوز أخطائه، ويعني ذلك أننا نتحدث عن العقل في سياقه الاجتماعي والثقافي، وليس العقل الجوهر المتعالي والمجرد. وهكذا عقل يتجلى في تمظهرات مختلفة؛ كل منها سيكون مجالا للنقد. ويمكن تحديدها وفق تقسيمة هابرماس الثلاثية في “القول الفلسفي للحداثة” عندما أشار إلى نظم المعرفة الثلاث في عملية التحديث بالغرب منذ أواخر القرن الثامن عشر، وهي: العلم والأخلاق والفن [3]. والسؤال الذي يوجّهه هابرماس للنظم الثلاثة: كيف تعمل في الحياة اليومية خلال عملية التحديث؟ وبمجرد التفكير في هذا السؤال فنحن ندخل في مشاريع التنوير، وهي كثيرة بعدد الفلاسفة والمفكرين التنويريين الذين قدموا ويقدمون مشاريع فكرية لأممهم وشعوبهم.
في الإطار العربي؛ يمثل طرح د. فتحي التريكي واحدة من المشاريع المهمة الجديرة بالطرح والتداول، وهو يجيب على سؤال هابرماس الأنف الذكر في الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه “فلسفة الحياة اليومية”، حيث يخصص لكل نظام معرفي فصل يتناول فيه أي فلسفة يمكن تطبيقها في الحقل اليومي؛ في العلوم وفي الأخلاقيات وفي الفن. ما يهمنا في إجابات التريكي هو الجانب النقدي؛ كونه يركز في مشروعه المتوزع في العديد من كتبه؛ على تطبيق الفلسفة في الحياة اليومية، ويقدم أفكارا جديرة بالنقاش والبحث في هذا المقام؛ ما التنوير الذي يقوم به العقل النقدي؟ في مجال تطبيق الفلسفة في العلوم؛ يدعو التريكي إلى الربط والتداخل المستمر بين الفلسفة والعلم، فأي فصل للفلسفة عن العلم سيدخل العلم في نفق الأيدولوجيا والتوظيف الأداتي من السلطة. ولا يقصد بإدخال الفلسفة على العلم بأن يتبنى العلم مقدمات الفلسفة ويذعن لها؛ بل بإنتاج الآليات التي تميز القول العلمي عما سواه [4]. وتستطيع الفلسفة عبر بوابتَي المنطق والابستمولوجيا أن تساعد على ضبط المفهوم العلمي وتحديد مجالات العلوم.
يطرح التريكي مستندا إلى المنطق الذي طوّره براتراند رسل خمسة مقاييس لنقد أي خطاب يطرح نفسه كخطاب علمي، وهذه المقاييس باختصار شديد هي:
حذف الظرفي والأنوي: أي إزالة كل ما يشير إلى الذات، فلا معنى لقول: هناك دب قطبي، لأنه يشير إلى ذات ويتضمن ظرف، لو تبدلت الذات أو الظرف فسينتفي القول، على العكس من القول: لون الدب القطبي أبيض. إذ لا حضور للأنا المتكلمة هنا ولا ظرفها وهي تتكلم.
الذريرية: أي نفي التركيب والتعقيد عن القول العلمي، فالعبارات تكون بسيطة وذرية تشتمل على أصغر جملة ممكنة لا يتم معناها لو حذفت أي كلمة منها، بدون استطراد ولا خيال.
الماصدقية: ويختص المبدأ بعلاقات الصدق داخل القضايا، بحيث تظل العلاقة قائمة حتى عندما نستبدل أطرافها بقضايا تحمل نفس القيمة والدلالة، فمثلا القول: الدولة تكفل الحريات، يبقى صادقا عندما نقول: الدولة تضمن حرية التعبير. فالضمان مصداق للكفالة وحرية التعبير مصداق للحريات.
المطابقة: ويعنى هذا المقياس بمدى تطابق القضية العلمية مع ما تشير إليه؛ سواء أشارت إلى فعل أو إلى واقع. التجارب العلمية هي خير مثال لاختبار وفحص المطابقة، وإن كانت هناك تحديات كثيرة للتحقق من هذا المقياس كما يذكر التريكي.
الاستقلالية: ويعني عدم احتواء القضية على ما يجعلها معلقة بذمة الوضع النفسي والاجتماعي، فهي تشرح نفسها بنفسها بعيدا عن الحاجة إلى تدخل من المتحدث وقصديته، أو أي نسبية أو إحالة تتوقف عليها.
إبستمولوجيّاً يركز التريكي مستندا إلى أعمال الفرنسي جون توسان دسنتي على ضرورة ألا يكون هدف الفلسفة في فرعها الابستمولوجيا هو توحيد معايير العلمية في نموذج واحد كلي وشامل، بل في كل مرة يجب أن تغوص في الأصول والجذور المؤسسة للخطاب المعرفي لتستخرج منه الحقل العلمي؛ إن وجد. بمعنى تشتبك مع الثقافة والخطابات والتاريخ والجدل والمعارف المتداولة بطريقة الحفر المعرفي لتمييز حقل العلم عما يجاوره من حقول معرفية أخرى. وهذا يستلزم العناية بالمصطلح واللغة المستعملة في إنتاج المفاهيم الصانعة للحقل العلمي. بمعنى أن المفهوم العلمي وهو في حقل العلم؛ ليس منبتّا تماما من جذوره الثقافية والتاريخية، والفلسفة التي يبحث عنها التريكي يجب أن تعتني بالمفهوم العلمي وفي الوقت نفسه تنظر إلى جذوره في الاستعمال اللغوي، ما يعزز من الاتصال بين حقول العلم فيما بينها، ورفض أية فلسفة مركزية تحاول توحيد العلوم من الأعلى. وهكذا فإن التنوير يبدأ من بوّابة العلم عندما يتواضع العلم ويقبل بصداقة الفلسفة المستمرة له، وهذا يعني أن يقبل أن يكون تحت مطرقة النقد باستمرار، فلا تجعله الطريقة العلمية متعاليا عن الاصغاء للنقد اليومي المتشرب في المعارف المجاورة لحقل العلم. [5]
في الأخلاق؛ يستدعي التريكي الفلسفة إلى اليومي من بوابة الأخلاقيات التطبيقية؛ أو الإيطيقا، ويعني بها “جملة المبادئ والقواعد العملية التي تم قبولها والعمل بها من قبل الجميع والتي تحكم ممارسة الناس داخل جماعة بشرية.” [6] وهو يلاحظ مع الثورات التكنولوجية المتسارعة؛ أن هذه المبادئ التحمت مع المعاش اليومي في قضايا وإشكالات يومية نلاحظها في المساواة الاجتماعية والحرية والمسؤولية وحقوق المرأة وحماية البيئة ونضال الشعوب وحقوق العمال والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية، وهكذا فإن هذه الأخلاقيات تكتسب إطارا محددا كلما نزلت إلى حقل ما، كالأخلاقيات المطبقة في الرياضة، وأخلاقيات إدارة الأعمال وأخلاقيات استعمال التكنولوجيا، وفي كل لحظة تحاول الفلسفة عبر هذه الأخلاقيات تحديد معايير العمل السليم وكل ما من شأنه رفع البؤس ومنع الاستغلال وحماية المتعاملين من أشكال العنف والاهانة والضرر. يركز التريكي على مجالين من مجالات الأخلاقيات التطبيقية وهي أخلاقيات الأعمال التجارية وأخلاقيات المعلوماتية، ولا أريد الخوض فيها؛ إذ أن جلّ ما أود التأكيد عليه هو هذا النشاط النقدي المصاحب للفلسفة وهي تنزل إلى الحقل اليومي لتدفع المجتمع إلى الأمام في مرحلة التنوير؛ بمعنى آخر أن يصبح العقل النقدي في خدمة الأخلاقيات التطبيقية الممارسة حسب كل مجال من مجالات النشاط البشري اليومي.
وأخيرا؛ في الفن؛ يركز التريكي على لحظة الابداع الفني؛ كيف تتشكل؟ وكيف تؤثر في الفنان وفي المتذوقين لفنه؟ ويحاول التريكي أن يكشف عما يمكن أن تقدمه الفلسفة لفهم الابداع كعملية تتكرر أمامنا يوميا في الشعر والأدب والفن والممارسات التي تتطلب أفكارا جديدة باستمرار. يمكن تصور هذا الدور للفلسفة فيما لو تخيلنا روبوتا نطلب منه أن يميز بين عملين فنيين؛ أيهما أجمل؟ الاحساس بالجمال وتذوق الابداع؛ هذا من خواص البشر تحديدا، فهل يمكن إكسابه للالات؟ هذا يتطلب أن نتمكن أولا من أن نعقلن ظاهرة الابداع. بمعنى أن نحولها إلى نظرية علمية، ومن ثم يمكن أن نفكر في تحويل النظرية إلى خوارزميات ذكاء اصطناعي يتم تثبيتها في الروبوت. توليد هذه النظرية من مسؤولية الفلسفة كما يقرر التريكي. وهنا يميز التريكي بين النظر والاحساس في رؤية الأشياء، فالنظر يكون عقلي بالتأمل ومحاولة النفاذ للجواهر وتوحيدها بعد إزالة التفاصيل غير الضرورية، أما الاحساس فهو الامتزاج الأرضي مع الأشياء عبر الأحاسيس والانطباعات وحالات المشاعر. النظرية العلمية التي ستقدمها الفلسفة ستحتاج لمزج موضوعية النظر مع ذاتية الاحساس، كون المقاربة الفنية تتحقق بالتنظير للإحساس بالجمال. وتصبح الفلسفة مفتاحا لتواصل العقول من بوابة الاحساس الجمالي الفني.


الحواشي والتعليقات:

  • المقالة من كتاب داخل العقل النقدي ص71 – 77
    [1] إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: مقالة ما التنوير، تعريب محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر 2005، ص85
    [2] فؤاد مخوخ، من نقد العقل إلى هيرمينوطيقا الرموز، المركز العربي للدراسات 2017، ص٢٥
    [3] هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة السورية 1995، ص٥١٨-٥٢٠
    [4] فتحي التريكي، فلسفة الحياة اليومية، الدار المتوسطية للنشر 2009، ص167
    [5] السابق، ص186
    [6] السابق، ص١٨٩