مايو 28, 2022

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

ما وراء الإنسانوية

روبرت غريفيث – مجلة الفلسفة الآن العدد 138
ترجمة: محمد العجمي

هناك الكثير من الناس ممن لا يؤمن بالآلهة بأي شكل من الأشكال. بعضهم ملحدون متحمّسون، ولكن هناك أيضا ملحدون غير مهتمين بالدين أبدا. مثل هؤلاء الناس لا يهتمون بأي نوع من تلك الحملات التي يقوم به الإلحاد الجديد أو الإنسانوية الجديدة؛ تماما مثلما هم كذلك في النقاشات التي تدعم وجود الله أو الآلهة. إنهم فقط لا يريدون الحديث عن الله مطلقا. لقد تجاوزوا هذا الخطاب؛ ربما إلى أكثر المواقع إلحادية؛ المواقع حيث يتم نسيان الآلهة بكل بساطة. يُطلق على هؤلاء الأشخاص أحيانًا اسم اللااكتراثيون apatheists، وهناك أدلة على أن عددهم يتزايد؛ خصوصا بين الشباب. لا يبالي اللااكتراثيون بالمناقشات الفلسفية حول وجود الله، بنفس الطريقة التي لا يهتمون فيها بالجدل حول ما إذا كان الشاب آرثر قد استلّ السيف من بين الصخور [الإشارة هنا إلى أسطورة انجليزية قديمة حول الملك الشاب آرثر الذي كان عليه أن ينتزع سيفا خاصا من بين الصخور ليثبت نسبه وبالتالي أحقيّته بعرش بريطانيا – المترجم]. لقد قبلوا حجج الإلحاد الجديد ومضوا؛ استمرّوا لأسبابهم الخاصة. على النقيض من الإنسانويين والذين هم أيضا في تزايد؛ إلا أنهم توقّفوا ولم يواصلوا.

تبدأ الإعلانات العامة للإنسانوية دائما كما يبدو؛ برفض واعٍ أو خجول للدين. على سبيل المثال؛ إعلان أمستردام الذي صادق عليه المؤتمر الإنسانوي العالمي في عام (1952) يؤكد على أن الإنسانوية “عقلانية”، والتي تعني إلى حد كبير أنها ترفض إمكانية التدخل الإلهي. منظمة هيومانيستس يو كي (الجمعية الإنسانوية البريطانية سابقًا) ترى نفسها في المقام الأول على أنها “تجمع الأشخاص غير المتدينين معًا”، كما يقضي الكتاب الإنسانويون المعاصرون مثل ريتشارد نورمان أو ستيفن بينكر أو ستيفن لو أو إيه سي غريلينغ الكثير من الوقت في مناقشة الحجج الفلسفية ضد الإيمان بالله. لذا فإن الإنسانوية تعرف نفسها بأنها حركة معادية للدين، لهذا هي لم تنس الآلهة بعد. بمعنى ما؛ لا يزال البشر بحاجة إلى الآلهة حتى يتمكنوا من المجادلة ضدهم.

المشكلة في هذه الحجة التي يُفترض أنها جديدة؛ هي أنها قديمة بحوالي مائتي عام. ففي حين أن الملحدين الجدد تسببوا في صخب في بداية هذا القرن؛ إلا أنهم كانوا يكررون إلى حد كبير نفس الحجج التي طرحها بارون دي هولباخ، أو بشكل أشهر ديفيد هيوم؛ منذ القرن الثامن عشر. ربما اعتقد الملحدون الجدد أنهم يقنعوننا بأن المنظورات العلمية الجديدة (نسبيًا)؛ كنظرية التطوّر وكونيّات الانفجار العظيم، كانت تقوّض المعتقد الديني بشكل خاصّ؛ مع حساباتها عن أصل الإنسان والكون. غير أنه واستناداً إلى العلم والفلسفة المعروفين حتى في (1770)؛ فقد خلص دي هولباخ بالفعل في كتابه “نظام الطبيعة” (1770)؛ وبدون الحاجة إلى المزيد من الإقناع؛ إلى أنه لم يكن هناك إله. بالنسبة لهولباخ؛ كانت الحجة ضد الله والآلهة قد انتهت بالفعل. وبالنسبة لأولئك الذين ينشدون التسلية؛ فإن حجج هيوم ضد الدين أذكى بكثير من حجج أنتوني غرايلنغ. وبالنسبة لمعاصري دي هولباخ؛ يُعتبر ماركيز دي ساد أكثر فظاظة وخبثا حتى من أمثال كريستوفر هيتشنز.

على كل حال؛ فإن الهجوم المستجدّ على الدين على خلفية العلم الجديد؛ ببساطة سمح لفلاسفة الدين المحترفين بتطوير ردود أكثر تعقيدًا على هذه الهجمات القديمة، مما يديم دورة النقاش بلا داعٍ؛ كما يرى اللااكتراثي. أليستر ماكغراث عكس كتاب داوكينز “وهم الله” (2006) بكتابه “وهم داوكينز؟” (2007). بينما جادل ريتشارد سوينبورن بأن نظرية التطور كانت متسقة تمامًا مع المسيحية (انظر على سبيل المثال كتابه “هل هناك إله؟” (2010))؛ مضيفًا أن سبب وجود العالَم لا يمكن تفسيره بالعلم بتاتا، والأفضل تفسيره عبر اللاهوت. وبهذه الطريقة؛ تصبح المناظرة الحديثة للإلحاد مجرد نسخة من النقاش الذي دار بين ملحدي القرن الثامن عشر والمدافعين عن الدين في ذلك القرن مثل جوزيف بريستلي. من الواضح أنه يمكن للمرء أن يستمر مع هذه الحجة إذا رغب في ذلك، لكن اللااكتراثيون لا يرون نهايةً لهذا النوع من النقاشات، لهذا قرروا تركها جميعا وراءهم؛ نسيان الله وأيضا أولئك الذين يبدو أن همهم الرئيسي هو الجدال بأنه لا يوجد إله. وهذا يشمل الانسانويين.

الإنسانويون والأخلاق

مع ذلك؛ الإنسانويون ليسوا مجرد ملحدين. فبعد التخلص من الإله؛ هم أناس يرغبون في شرح ما يجب أن يفعله الملحدون بحياتهم. بهذا المعنى؛ هم على الأقل معلّمون. إنهم ليسوا كأولئك الذين بعد نسيان الآلهة؛ يذهبون ببساطة ويعيشون حياتهم؛ مثل مورسو في رواية الغريب لألبر كامو (1942). يعتبر مورسو مثالاً جيدًا على اللامبالاة. إنه غير مهتم بالله، أو بالحجج الداعية إلى إثبات أنه غير موجود. ومع ذلك؛ فإن مورسو شخصية مُقلقة إذا كان المرء إنسانويا، لأنه يعتبر الوجود أمرًا سخيفًا، ويتصرف على أساس هذا الاعتقاد. من المؤكد أن الإنسانوية تعارض الرأي القائل بأن الوجود سخيف. فبعد التخلص من الدين بحسب اقتناعها؛ فإن المهمة التالية للإنسانوية هي إقناعنا بأنه لا يزال بإمكاننا أن نعيش ما تسميه في الغالب حياة “ذات معنى”.

تريد الإنسانوية منا بالتأكيد أن نأخذ الحياة على محمل الجد، فهي تريدنا أن نعتني بشكل خاص بباقي الناس، ومن أجل حملنا على القيام بذلك؛ فهي تقترح الأخلاق. يعلن بيان أمستردام أن النزعة الإنسانوية “أخلاقية”، فجزء من كونك إنسانويا هو أنك بعد أن رفضت الآلهة؛ ما زلت تسترشد بقانون أخلاقي. لكن القوانين الأخلاقية هي أشياء خادعة. فواحدة من الصعوبات الرئيسية التي تواجه العديد من الناس مع الدين؛ هي بالضبط فكرة أن الدين يمنحهم القانون الأخلاقي ويحاكمهم عليه. والإنسانويون يشيرون على الرغم من ذلك؛ إلى أن القوانين الأخلاقية للديانات هي عقوبات “خارجية” على البشر، وأن المطلوب هو قانون أخلاقي يأتي بطريقة أو بأخرى من البشر أنفسهم. فعلى سبيل المثال؛ يقول إعلان أمستردام أن “الأخلاق جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية”، ولكن ما تعنيه هذه العبارة غير واضح تمامًا، فلا يُفترض أن تعني الادعاء غير القابل للتصديق بان الأخلاق هي جانب غريزي من الطبيعة البشرية، وأنها شيء يولد به الجميع. فبصرف النظر عن الأدلة من مراكز بحثية كمختبر ييل للطفولة؛ والتي أظهرت تفضيلات بين الأطفال في تجارب عرض الدمى لصالح ما يسمى بالدمى “الجيدة”؛ من الواضح تماما أن القوانين الأخلاقية غالبا ما تكون مكتسبة. ولأنها تأتي بالتعليم غالبا؛ فمن الواضح أيضًا أن الأخلاق تتطور بشكل كبير بما يتماشى مع القوى الاجتماعية، والتي يتم توجيهها من خلال العائلة، والأصدقاء، والمدارس، وأجهزة القانون والنظام، ووسائل الإعلام. هذا التوجيه بدلاً من أن يثبت وجود أخلاق إنسانية أساسية؛ فإنه يؤدي إلى أنظمة أخلاقية متباينة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. ولكن الإنسانويون يميلون على الرغم من ذلك إلى المجادلة بوجود جوهر ما للأخلاق البشرية.

للأسف؛ يختلف الإنسانويون بشدة حول نوع الرؤى الأخلاقية التي يرغبون في الترويج لها باعتبارها جوهرًا. فيبدو أنهم في بعض الأحيان يأخذون ما يسمّى في لغة علم الأخلاق بأخلاق الواجبdeontological . تستند هذه الأخلاق على فكرة أن بعض الأشياء هي صحيحة أو خاطئة في ذاتها، ومن واجبنا الاستجابة وفق ذلك. على سبيل المثال؛ يؤكد إعلان أمستردام على “قيمة الفرد وكرامته واستقلاليته”، ويضغط ضمنيًا على الرؤية الكانطية الواسعة للأخلاق، والتي يكون فيها البشر ذوي قيمة متأصّلة. يقول إيمانويل كانط (1724-1804) أن الناس باعتبارهم فاعلين أخلاقيين وعقلانيين؛ فلا يجوز استعمالهم كمجرد وسائل لتحقيق غايات، لأنهم هم “غايات في أنفسهم”. هذا يتعارض مع الرؤية العواقبية للأخلاق consequentialist؛ كالنفعية utilitarianism، حيث يكون الهدف الأخلاقي هو مضاعفة السعادة أو الرفاهية. هنا البشر ليسوا “غايات في أنفسهم”. من وجهة نظر النفعية على سبيل المثال؛ هناك أوقات سيكون علينا فيها أن نضحّي بإنسان بريء من أجل تعزيز رفاه أكبر، فيمكن للنفعي أن يقبل قتل طفلٍ لإرهابي ما كوسيلة لقتل هذا الإرهابي؛ إذا كان ذلك سيؤدي إلى خير أكبر. نعم.. لن يكونوا سعداء بذلك؛ ولكن يمكنهم قبول ذلك.

في كتاب “التنوير الآن” (2019)؛ ستيفن بينكر سعيد بأن تكون أخلاق النفعية في مركز مفهومه للإنسانوية، إذ يراها أنها هي الأخلاق التي ترفع ما يسميه “ازدهار الإنسان”. في المقابل؛ في كتاب “حول النزعة الإنسانوية” (2012)؛ يبدو ريتشارد نورمان غير مرتاح مع كلا الرؤيتين؛ أخلاق الواجب والأخلاقية النفعية، إذ يميل أكثر نحو أخلاق الفضيلة virtue ethics. تؤكد أخلاق الفضيلة على دور تطوّر الشخصية في رعاية الفضائل الأخلاقية مثل اللطف والصبر. كما ترفض رؤية أخلاق الواجب القائلة بأن الأفعال يمكن أن تكون خاطئة في ذاتها. يملك الشخص الفاضل إحساسا أكثر دقة بما هو صواب وخطأ كما هو ممارَس في ظروف معينة. أخلاق الفضيلة أيضا ترفض النفعية، بسبب رؤيتها أن الأخلاق ليست سوى شيء واحد؛ هو تعظيم السعادة البشرية أو الرفاهية. لذلك يمكن للمرء في النهاية أن يستنتج أنه لا يوجد من الأساس موقف إنسانوي عن الأخلاق. وبالتالي من الخطأ جدًا أن يقول بينكر إن النزعة الإنسانوية هي “التزام أخلاقي مميز” (ص 412). فالاختيارات الأخلاقية للمرء تعكس بالأحرى تبنّيه لفلسفة أخلاقية معينة. فكون المرء إنسانويا ليس له تأثير كبير على تبنّيه هذه الفلسفة أو تلك.

لتجنب مثل هذه المشاكل؛ يدعو الإنسانويون في الغالب إلى اعتبار الأخلاق الإنسانوية ليبرالية بحق، وأنها حد أدنى من نظام يسمح بمجموعة متنوعة من المواقف والفلسفات المختلفة. على سبيل المثال؛ لا يعتقد نورمان أن الإنسانوية عقيدة؛ فضلا عن أن تكون عقيدة أخلاقية، مجادلا أن هناك أكثر من فلسفة إنسانوية واحدة. متّبعا نظريته المفضّلة عن أخلاق الفضيلة، والتي نحاول عبرها أن نصبح أكثر الأشخاص فضيلةً؛ يجادل نورمان (كما جادل أرسطو ذات مرة) بأنه يمكننا أن نصبح فاضلين من خلال ترتيب حياتنا وفق قدوات فاضلة. نورمان نفسه يقترح نموذجًا للعالم والكاتب بريمو ليفي؛ الذي وُصفت تجاربه في النجاة من المحرقة في روايته العظيمة “إذا كان هذا رجلاً” (1947). لا توجد مشكلة في اتّباع مقاربة من هذا النوع، وربما يكون هذا أفضل ما يمكن القيام به. ومع ذلك فإنه لا يرقى إلى مستوى قانون أخلاقي إنسانوي.

من المفترض أنه ليس من متطلبات الإنسانوية أن يرتّب أحدهم حياة شخص آخر وفق تلك التي عاشها بريمو ليفي، بل المطلوب أن يكون مثال القدوة الأخلاقية للمرء غير مؤمن، مع كونه أساسا شخصا عقلانيا وصالحا. هذا يعني أنه لا يمكنك حقا أن تعترض على هذه النصيحة إلا إذا كنت مؤمنا بالله، أو غير عقلاني أو صالحا، فالنصيحة على الأرجح تُفرّغ أي طموحات لتوحيد النزعة الإنسانوية، وباتباعها؛ يمكن للمرء أن يرتّب حياة شخص آخر وفق العم فرانك إذا كان هذا العم غير مؤمن بالله وهو عقلاني وصالح؛ ولكن ستكون هناك مسألة صغيرة في وصف هذه النصيحة بالعم-فرانكية والتظاهر بأنها تتمتع بجاذبية عالمية للإنسانويين.

في كتاب “البرهان على الله” (2014)؛ يبدو غرايلنغ أيضًا مرتاحًا تماما بشأن التوجيه الأخلاقي الذي تقدمه الإنسانوية. مترددًا في الوقوع في فخ الترويج المفرط لقواعد أخلاقية محددة؛ يميز غرايلنغ بلطف أخلاق الإنسانوية من حيث القدرة على اختيار “قيم وأهداف” المرء وهو يعيش “مراعيا الآخرين”، فيقترح اللطف والكرم والخير والعدالة كفضائل، ولكن ضمن هذا الإطار الفضفاض في الواقع؛ لا تزال هناك حرية واضحة لمناقشة المواقف والفلسفات الأخلاقية العريضة. الأهم هو إبقاء الدين بعيداً عن الجدل الأخلاقي.

الانسانويون وغير البشر

إحدى المشاكل الواضحة للنزعة الإنسانوية كموقف أخلاقي؛ بغض النظر عن مدى اتساع تعريفها، هو في تركيزها الرئيسي على البشر. في الوقت الحاضر؛ ونحن ننجرف بشكل مشوش إلى قرن يُعترف فيه على نطاق واسع بأن النشاط البشري ربما يهدد المحيط الحيوي نفسه؛ فقد يُنظر إلى هذا الموقف باعتباره خارج التاريخ بشكل فضيع.

يمكن للإنسانوية التقليدية؛ من ذلك النوع الذي قدمه مفكرو عصر النهضة مثل بيكو ديلا ميراندولا في كتابه الشهير عن كرامة الإنسان (1486)؛ أن تتحدث بلاغيا وبدون مزيد إحراجٍ عن “دهشة الإنسان”. لكن ذلك العصر هو الذي تم فيه اعتبار الهوة الأخلاقية بين ما هو إنسان وما هو ليس إنسان؛ أمرا مفروغا منه. نحن المعاصرون؛ على الرغم من أننا استوعبنا المذهب الطبيعي الذي أشارت إليها نظرية التطور؛ أصبحنا ندرك أن الفجوة الأخلاقية بين البشر وغير البشر ليست فجوة مميزة للغاية. ندرك بشكل متزايد الضرر الكبير الذي يلحقه البشر بالكائنات الحية الأخرى. منذ أن نشر بيتر سينغر (وهو نفسه إنسانوي) أعمالًا مؤثرة مثل “تحرير الحيوان”؛ أصبحنا ندرك بشكل متزايد أننا بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع هذه المخلوقات. من غير الواضح أن التركيز على البشر لدى الأخلاق الإنسانوية مفيد هنا.

بطبيعة الحال؛ الإنسانويون ليسوا غافلين عن صعوبة تطوير موقف أخلاقي يستوعب إحساسية sentient الكائنات غير البشرية. يعترف إعلان أمستردام بـ “اعتمادنا على العالم الطبيعي ومسؤوليتنا عنه”، مما يشير إلى الاهتمام بكل من الكائنات الحية التي تمتلك إحساسا والأشياء الطبيعية التي لا تمتلك. لذلك يتم حث الإنسان الإنسانوي على تطوير نظرة تؤدي إلى السلوك الأخلاقي المناسب تجاه غير-البشر. لكن الإنسانوية مُقيّدة بشدة في ذلك؛ عبر إلزام نفسها بالبدء من موقف أخلاقي يكون فيه البشر ومصالحهم هم العوامل المحددة الرئيسية للفعل المقبول أخلاقيا. إلى هذا الحد؛ يمكن أن يكون للفلسفة الأخلاقية الصارمة التي يتبناها الإنسانوي عواقب مهمة على تماسك النزعة الإنسانوية. فهي تستبعد الموقف الليبرالي المتساهل تجاه التوقعات الأخلاقية التي يتبناها كل من نورمان وغرايلنغ؛ على سبيل المثال. فالمفترض أن الإنسانويين ذوي الميول باتجاه أخلاق الواجب أنهم يتبنّون رؤية البشر باعتبارهم الحاملين الأساسيين للقيمة الأخلاقية. هذا الموقف يمنح إحساسية غير-البشر وضعًا أخلاقيًا، ولكنه يُحدَّد بشكل كامل عبر المصالح البشرية. كانط؛ على سبيل المثال، اعتقد أن السبب الرئيسي لعدم القسوة على الحيوانات هو لأن القيام بذلك سيجعلك قاسيًا على البشر الآخرين. من المؤكد أن المظلة الأخلاقية للإنسانوية ليست واسعة بما يكفي لتغطية مثل موقف توم ريغان في “قضية حقوق الحيوان” (2004)، والذي يؤكد أن إحساسية غير-البشر لها قيمة متأصلة وحقوق مرتبطة بها؛ مستقلةً عن كيفية تأثير ذلك على مصالح البشر. إذا كان من الممكن إثبات أن إحساسية غير-البشر له قيمة متأصلة؛ فإن النزعة الإنسانوية كموقف أخلاقي يركز على البشر تصبح زائدة عن الحاجة إلى حد كبير. سيكون من الضروري توسيعها إلى شيء يمكن أن نسميه الشعورية sentientism، والذي بموجبه يكون لجميع الكائنات الحية ذات الإحساس قيمة أخلاقية متأصلة. سيكون تأثير هذه الأخلاق على “ازدهار الإنسان” كبيرا.

من اللافت للنظر قلة الاهتمام الذي يوليه كثير من الإنسانويين لهذه القضية المهمة. على سبيل المثال؛ في مناقشة موجزة للوضع الأخلاقي لإحساسية غير-البشر؛ يتحدث نورمان عن الالتزامات تجاه سائر الحيوانات، بما يمكنها من عيش “حياة خالية من الألم” وتجنب “إلحاق معاناة لا داعي لها”. يجب أن نعارض الممارسات الزراعة القاسية والتجارب المخبرية غير الضرورية. قليلون يمكن أن يجادلوا في ذلك. لكن السؤال المهم هنا هو لماذا يجب أن نفعل هذه الأشياء؟ ما هي طبيعة التزاماتنا تجاه الحيوانات الأخرى بالتحديد؟ يعطي نورمان وقتًا أقل بكثير لهذا السؤال الحاسم مما يعطيه لمناقشة أشياء مثل الحجة الكونية لوجود الله. ومن الجدير بالملاحظة أن بينكر في الواقع يتجنب تمامًا أي ذكر للموقف الأخلاقي لإحساسية غير-البشر، ويذكر فقط أن “الإنسانوية لا تستبعد ازدهار الحيوانات” (ص 410). ومع ذلك؛ حتى نكون واضحين بشأن الوضع الأخلاقي الدقيق لإحساسية غير-البشر؛ لا يمكننا معرفة ما إذا كان هناك أخلاق معينة للنزعة الإنسانوية تستبعد ازدهار الحيوانات. فمن المفترض أن أي نظرة تنكر القيمة الأخلاقية المتأصلة (وبالتالي الحقوق) للحيوانات من المحتم أن تعيق ازدهار الحيوانات.

الواضح في الواقع هو أنه عندما يتعلق الأمر بالجوانب العملية؛ فإن بعض الإنسانويين لا يهتمون كثيرًا بالوضع الأخلاقي لإحساسية غير-البشر (ناهيك عن الوضع الأخلاقي للعالم الطبيعي الأوسع). نورمان؛ على سبيل المثال؛ هو مؤلف وثيقة بعنوان “أن تكون جيدًا”؛ متاحة على موقع الجمعية الإنسانوية البريطانية. تهتم هذه الوثيقة في الغالب بكيفية أن يعيش الإنسان حياة معنوية بمجرد أن يتخلى عن المعتقد الديني. إنه في الأساس نوع من الدليل العلاجي للمؤمنين المهمَلين أو المحبَطين (كسائر كتابات الإنسانويين). ما يعكس الإنسانوية المعاصرة ككل؛ هو مركزية الإنسان بطريقة غريبة تمامًا، كما لو كانت عقود من النقاش حول إمكانية أن تكون كل من إحساسية غير-البشر والأشياء الطبيعية الفاقدة للإحساس ذات قيمة أخلاقية؛ لم تحدث أبدًا. هناك اهتمام غير متوازن بشكل غريب بالآثار الظاهرة المترتبة على تقويض الإيمان بالله على الإنسان الفرد، والحاجة إلى إظهار أنه مع ذلك يمكن أن يكون للمرء حياة ذات معنى. لا يوجد أي ذكر على الإطلاق لأثر التعامل الجيد على حقوق الحيوان، وبالكاد أي مناقشة للبيئة.

إلى هذا الحد؛ فإن النزعة الإنسانوية التي تنبع من وتُمضي الكثير من وقتها المستغرق في المناظرة مؤمّن/غير مؤمن؛ والتي إلى حد كبير تحمل طابع القرن الثامن عشر، هي بعيدة عن ملامسة الاهتمامات الأخلاقية للأجيال الشابة اليوم. الكثيرون من هؤلاء ما عادوا مهتمين تمامًا بقضاء الوقت في دحض الإيمان بالله. كلاإكتراثيين؛ هم استمروا. اهتماماتهم الآن لصالح كوكب الأرض ولصالح الكائنات ذات الإحساس. لا يمكن لأخلاق النزعة الإنسانوية أن تتحدث حقًا مع هؤلاء الناس، وهي لا تحاول ذلك في الواقع. حتى مع تزايد أعدادهم؛ يتصور المرء أنه في وقت ما يجب أن تسقط الإنسانوية؛ هي والمعتقدات الدينية المهووسة برفضها، إلا تلك التي تعنيها للغاية بأن تجعلها منتبهةً بشكل كافٍ للقضايا المعاصرة ذات الأهمية الأخلاقية الحقيقية.

© روبرت جريفيثس 2020