أكتوبر 5, 2022

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

التجربة الدينية

*محمد العجمي – من كتاب أوراق الوعي 2015

الفكرة الكبرى في الدين هي في وجود كمال مطلق يدركه الإنسان من خلال شعوره بأنه ناقص ومحدود، وبالتالي يسعى فيما أوتي من عمر لكي يلتحق ويلتصق بهذا الكمال المطلق. وهذه الفكرة مع بساطتها إلا أنها أنتجت كل هذا التعقيد الذي نراه في الشرائع الدينية التي نعيشها، بحيث أن البساطة المدهشة في فكرة الدين تختفي تماما تحت ركام التعقيدات الشديدة، فتتحول رحلة البحث عن الكمال المطلق إلى رحلة شاقة ومضنية ومحاولة مجهدة للكشف عن كل هذا الركام المتكدس فوق لبّ الدين وجوهره. أن يعيش الانسان تجربة دينية معينة يعني أن يبحث عن الله في الكون وفي أنظمة الأفكار وفي نفسه، وقد يجده وقد لا يجده، وفي كل ذلك يحب الانسان أن يشارك الآخرين تجربته هذه، وهذا ما يجعل التجارب الدينية قابلة لتبادل التأثّر والتأثير، ويميل أغلبنا إلى سؤال الآخرين عن تجاربهم الدينية، وعن رؤيتهم لله والإنسان والكون والوجود، بل ويزداد فضول البعض لحد التدخل في اختيارات الآخرين ورؤاهم وتصوراتهم، وهذا نابع من اليقينيات ومفاهيم القطع والجزم التي تزخر بها الثقافة في مجتمع ما.

تتطلب التجربة الدينية قدرا من الصفاء الذهني بما يسمح لولادة وتصاعد صفات الإله في الذات، وحيث أن هذه الصفات هي الجمال المطلق الذي يفتقر إليه الإنسان؛ فإن إحرازها لا يكون في ظل الكدر الذي يلوث النفس نتيجة طلباتها ورغباتها الكثيرة. يسمح الصفاء الذهني للحب أن يتحرك على مستوى الذات ليفتح حجيرات الصفات الجميلة المقفلة داخل النفس، وحضور هذه الصفات الجميلة كالصدق والوفاء والإخلاص والإيثار تجعل الإنسان أقدر على اكتشاف ما في الوجود من جمال وتناغم وانسجام؛ أي على الوصول إلى الله. ولا يتأتى الصفاء الذهني إلا في ظل إفراغ الذهن من الحاجات المؤقتة للذات إلا من الحاجة لمعانقة الكمال المطلق، وبطبيعة الحال فليس من السهل أن يتنازل الانسان عن حاجاته ورغباته لأنها جزء لا يتجزأ من أنانيّته التي هي محور الوجود بالنسبة له، لهذا يتفاوت الناس في تدرجهم نحو الله، بل ويتفاوتون حتى في حالاتهم النفسية التي تمر عليهم في بحثهم الأبدي هذا.

إن التجربة الدينية التي نقصدها ليست هي التديّن الذي يخوض فيه البعض فيتدثّر بدثار المظاهر المميزة لثقافة دينية معينة، ولا الممارسات التي يحرص الشخص إلى اتيانها على سبيل العادة التي اكتسبها من وسطه الاجتماعي، وإنما ذلك الانشغال بالأسئلة الوجودية الكبرى التي ستكون أجوبتها موقفا تجاه الحياة والله والإنسان والتاريخ والطبيعة. إن هكذا تجربة ستكون بالضرورة متغيرة ومتحركة حسب ما يتوصّل إليه الإنسان من مشاهدات ونتائج ووقائع وما يلاحظه من نماذج وأنماط في حركة الوجود، والهدف في هذه التجربة الدينية ليس الوصول إلى مطلقات وثوابت إذ أن ما يبحث عنه الإنسان هو الجمال والكمال الإلهي، والعائد من كل ذلك هو اللذة الروحية في لحظات معانقة هذا الجمال. والسؤال هنا: هل ذلك متاح للإنسان وهو في أحواله العادية يجري وراء رزقه ليوفر قوته وقوت عياله أم أنه من الترف الذي يطغى على الانسان عندما يأمن من الجوع والمرض والذل والفقر؟

لا تتحقق التجربة الدينية بالانفصال عن الواقع بل هي مخاض طويل من العراك مع الحياة لتصفية الذهن ليتمكن من ملاحقة الجمال الإلهي المبثوث في الأرض والبحر والجو وفي الحواضر والأرياف، وهي تتحقق بمقدار ما يتحقق للنفس راحتها واستمتاعها بوصولها لله. وهو الوصول الذي كلما ظن الانسان أنه انتهى منه يتفاجأ أنه قد أفلت منه ليبحث عنه من جديد. فالتجربة الدينية متاحة للإنسان في كل حال من أحواله ولا يتطلب منه أية ثقافة إضافية أكثر من الإحساس بالحاجة إلى الله أو الإحساس بالفقد والفقر والجهل والوحشة بحيث سوف تتحقق اللذة المنشودة في كل لحظة ينجح الانسان في إشباع جزء من حاجته للكمال الإلهي. ولا نستطيع أن نطلق على أي إشباع لحاجات الإنسان المعرفية أو الروحية تجربة دينية، فالكثيرون يجدون لذتهم وهم يسعون للتكامل في أيديولوجياتهم أو في أطرهم التي سكنوا إليها واطمئنوا بها فلا يستحضرون الإله المطلق أو الوجود المطلق كغاية نهائية لهم، فتجربة كهذه بعيدةً عن محاولة استمثال ومحاكاة الإله لا تكون تجربة دينية.

الخطاب الديني المعتاد يطلب من الإنسان بذل أقصى ما يستطيع من جهد من أجل الوصول إلى الله، وهذا الجهد هو العبادة بمختلف أشكالها في كل دين وطائفة، حيث يجب على الفرد أن يسلك مسالك العبادة ويكثر منها ويغالب نفسه عليها ليحظى بالقرب من الله، ولا بدّ هنا للعبادة أن تتحول إلى ظاهرة اجتماعية لكي تتلاءم مع فكرة ضرورة التقرّب المشترك إلى الله الذي سيكون بالضرورة إله اجتماعي. ونحن نضيف هنا أن التجربة الدينية التي نتحدث عنها أكثر شمولا واتساعا من العبادة بمفهومها الفقهي، فالتجربة الدينية تتحقق في البداية معرفيا وذلك عبر الأجوبة التي تتولّد لدى الانسان من تأملاته ومشاهداته، والتي يترجمها لاحقا إلى مواقف وممارسات وعبادة، بحيث يملأ المحتوى المعرفي أي موقف أخلاقي أو طقس تعبدي يتخذه الانسان في حياته، وبدون ذلك يصبح الطقس فارغ وخالي من الفكرة التي تدفع الانسان للاقتراب من الله من خلال الطقس التعبدي.

إن الجهد النفسي المبذول لاستحضار المقدس في لحظات العبادة هو جهد ضائع في حالة عدم وجود حاجة وألم وقلق وخوف سيلقيه المتعبد في فضاءات المعبود، إذ بدون ذلك تصبح العبادة عبئا نفسيا أو تقليدا اجتماعيا لا عائد حقيقي من وراءها أكثر من المشاركة الاجتماعية، أشبه شيء بفنان يريد أن ينتج فنا بدون فكرة. إن الأفكار القادمة من المعرفة الحقيقية بأسئلة الوجود وتمخّضاتها تثري التجربة الروحية للإنسان في رحلته إلى الله، حيث تصبح العبادة مشروعا وجوديا ينقل حياة الفرد والجماعة إلى آفاق أكثر جمالا، فليس الألم والخوف فقط هو الداعي للاتصال بالله، إذ أن أفكارا على شاكلة أعمال اجتماعية وخدمات تطوعية وإنجازات علمية تخدم الناس ومشاريع إنسانية وفعاليات للحفاظ على البيئة والنظافة العامة؛ كل هذه الأفكار هي مواقف وممارسات عبادية تجعل الإنسان أقرب إلى الجمال والكمال الذي ينشده في الإله. هذه الأفكار هي خير ما نقدمه بين يدي الله في كل مرة نرغب في الاتصال به، ولا شك أن في هكذا اتصال يكون العائد على الإنسان أكبر في صورة شحن معنوي وحب للآخر.

في التجربة الدينية يكون الإيمان بالخالق هو ذلك الشعور بأننا لسنا مجرد ذرات مرمية على أطراف الكون بلا هدف ولا غاية، وأننا لسنا صدف تكونت من عبثية مليارات المحاولات العشوائية من تفاعلات الذرات عبر مليارات السنين. هذا الإيمان ليس مجرد الاطمئنان لتفسير واحد للوجود، وإنما تكيف مع عشرات التحديات التي صادفت الإنسان عبر تاريخه الطويل، إنه نتاج صراع غرائز البقاء والحب والسلام والسعادة والتعلم مع الموت والكراهية والعنف والشقاء والجهل. هذا الإيمان هو بحث عن ذات عليا متسامية تكمل النقوصات الكثيرة التي ندركها في ذواتنا، وهذا الإيمان رافد مهم جدا من روافد الإنسانية غير القلقة، وبين الإنسانية القلقة والإنسانية غير القلقة فارق كبير في أن الأولى تبحث ولا تجد والثانية تبحث وتجد. وما أصعب وما أقسى أن يبحث الإنسان ولا يجد، لهذا هو يحتاج إلى الإيمان بخالق عظيم وقادر ورحيم.

وفي التجربة الدينية أيضا يصبح الإلحاد هو ذلك اليأس المترسخ في أعماق الذات الإنسانية، اليأس من الإصلاح واليأس من نهاية الشر واليأس من عموم الحب والسلام والخير بين الناس، وهو ذلك الشعور بأن العبثية التي تمزق سعادة الإنسان وتقض مضجعه ليل نهار هي السمة البارزة في الوجود. الإلحاد هو اليأس من إيجاد المدينة الفاضلة، والإلحاد ليس ثورة على الإله الخالق، وإنما ثورة على الإنسان نفسه ﻷنه لا ينتصر على الشر الذي بداخله. الإلحاد دواء لداء قادم من بؤس الإيمان، وهو دواء سرعان ما يتحول إلى داء جديد، ﻷن جبروت الشر يحتاج إلى دربة الحب، وليس إلى إنكار الإيمان. الإلحاد ليس شيطانا، ولكنه إيمان ينتحر على مضض، وما يجعله شيطانا سوادة القلب، حيث يقع في البؤس الذي يفر منه. إنكار الخالق العظيم شأنه مع الخالق العظيم، وأما شأننا نحن هو الوصول إلى القلب السليم.

يعتمد الخطاب الديني التقليدي للجماعات على التكرار في مواجهة الجماعات الأخرى، فنجد الخطاب الديني لكل جماعة يكرر الأفكار الموحدة لها بدون كلل أو ملل بحيث يستمع الفرد منذ سنواته الأولى إليها حتى تغدو بالنسبة له حقائق مطلقة لا يجوز حتى مجرد طرح التساؤلات عليها، وإذا حصل وتساءل فسوف يكون ذلك حول قضايا جد جانبية بل وسخيفة كما نسمع ونشاهد في الإعلام المسموع والمقروء. إن توحيد أفراد الجماعة حول فكرة معينة يتطلب مثل هذا التكرار لأنه يبرمج الفرد على الولاء لأهداف وغايات الجماعة، وعلى البراءة من بقية الجماعات. التكرار يجعل من القصة أو الرواية الأسطورية ليس مجرد حقيقة مطلقة فحسب، بل هوية ومبرر لوجود الجماعة. وهذا الخطاب يفسد فرص الحصول على تجارب دينية غنية بالإنسانية، إذ تطغى النزعة الاجتماعية على النزعة الفردية التي هي الحضن الأول والأساسي لأية تجربة دينية فاعلة.

فردنة التجربة الدينية هو ما يجب أن يتعزز لدى الانسان وهو يشق طريقه بحثا عن لذة الاتصال بالله، أي بأن يعيش الانسان ذاته وهو يتفاعل مع الواقع، فلا يلغي ذاته ويذوب في إرادة الجماعة. بل إن أبسط تحليل لإرادة الجماعة سيعود بنتيجة تكاد تكون واحدة عند كل الجماعات البشرية وهي أنها ليست إرادة كل الجماعة، بل هي سلطة بضعة أفراد متنفذين حققوا نجاحات عديدة فيما سبق فاستحقوا بأن يكونوا ممثلين لإرادة الجماعة. وهنا على الفرد أن يتحقق من أن أحدا مهما بلغت نجاحاته لا يستطيع أن يصادر حقه في أن تكون له تجربته الدينية الخاصة.

قد تتخذ التجربة الدينية اتجاها يهبط من أعلى إلى أسفل، فتبدأ من المعرفة ثم الأخلاق ثم التشريع، وقد تتخذ اتجاها يصعد من أسفل إلى أعلى حيث تبدأ من التشريع ثم الأخلاق ثم المعرفة. تجربة الأنبياء والعارفين هي من النوع الأول، وغالبية أتباع الأديان هم من النوع الثاني، فالنبي يعيش حالة الخلوص والصفاء الذهني في صورته الأكمل، فيتحقق لديه الاتصال بالجمال والكمال الإلهي، حيث تتجسد في وجدانه المعرفة والحكمة الإلهية التي يترجمها لاحقا في صورة التزام عملي أخلاقي بينه وبين نفسه، ولاحقا يبثها بين أتباعه في صورة تشريعات تساعدهم على الترقي ليقتربوا من روح النبي التي جسدت جمال الله لديهم، فالتجربة الدينية لديهم عكس تجربة أنبيائهم، فهم يحتاجون إلى المستوى التشريعي الفقهي ليكتسبوا خلاله الأخلاق العملية، والتي بدورها توصلهم إلى المعرفة بالله. ولكن السؤال الذي ينطرح هنا: هل التجربة الدينية لغير الأنبياء محكومة بالصعود من التشريع إلى الأخلاق إلى المعرفة؟ هل يمكن للناس اليوم أن يتوصلوا إلى الأخلاق وإلى معرفة الله بغير طريق العبادات؟ يجيب عبد الكريم سروش المفكر الإيراني على هذا السؤال بالإيجاب، ولكنه –أي الإنسان -سيحتاج إلى درجة عالية جدا من الوعي بالذات وبالآخر وبالوجود، وهذا الوعي ليس من السهل أن يتحقق إذ يتطلب قدرة على تصفية الذهن من مكدرات النفس.

وأخيرا يجب الحذر من أن تتحول التجربة الدينية إلى طوباوية حالمة، وخصوصا أن الطوباوية بمثاليّتها وخيالاتها الرائعة تجتذب الإنسان المُترع بالآلام والنغائص أكثر مما يجتذبه الواقع. الطوباوية هي الحلم بالمدينة الفاضلة والمخلص الموعود، وإقامة دولة السماء في الأرض، والنفس تسكن وترتاح لهكذا حلم، بل إن كل من يلعب على هذا الوتر سيحصل على تعاطف الجمهور بقدر ما، وخصوصا من البؤساء الذين أرهقتهم الحياة بمتطلباتها وظلمها وقسوتها. الطوباوية تجدها متجلية بقوة في الخطاب السياسي والديني للأحزاب والأيديولوجيات. فهذه الفكرة تشكل رصيدا قويا تجتذب لهم القلوب والعقول، وهي مخادعة بدرجة كبيرة، بل ووهم ما انفك يقيم دولا ويسقط أخرى بدون أن يثمر ولو شيئا ضئيلا من الجنة الموعودة. وكل ذلك بسبب لاواقعيتها واعتمادها على الانفعالات الظرفية للجمهور. ما يحتاجه الفرد أو الجماعة فعلا هو تفكيك هذه الطوباوية والتخلص من شعاراتها، وإحالتها إلى مشاريع عملية؛ شخصية كانت أو اجتماعية؛ بعيدا عن الاستقطاب اللاهث وراء مصالح ضيقة، فقليل من عالم الواقع يغني عن كثير من عالم المثال. وبالمثل مع وعد الله المظلوم بأنه سيقتص من ظالمه يوم القيامة، أو سيمكنه منه يوما ما، فإن هذا الوعد سيظل من الطوباوية التي تخدّر العقل الفردي أو الجمعي مالم يترجم إلى مشاريع مدنية، إذ يتم انتزاعه انتزاعا من جوّه الديني المسالم لتؤسس عليه المشروعات الفئوية ومعها الصراعات والآلام، وهو وعد بمقدوره أن يمزق أية ثقة في الذات يمكن أن تتأسس على أساس الوعي بالذات والوعي بالآخر، إذ يعمل على تشكيل عقلية الفرقة الناجية والشعب المختار والأرض الموعودة.