مايو 28, 2022

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

داخل العقل النقدي: لقاء ونقاش

*تم تقديم هذا اللقاء عبر برنامج زوم مع مجموعة فضاء المعرفة

المقدمة

في البداية أشكر الأفاضل الأخ العزيز أبو حيدر مشهور العصفور، والدكتور الفاضل محمد المسعود، والشيخ الكريم أبو أمين محمد عبد العال على الدعوة الكريمة في أن أكون بينكم اليوم مع قلّة البضاعة وتواضع التحصيل. والشكر موصول للمجموعة الكريمة من علماء ومثقفي المملكة، وأرجو أن يتحمّلوني في الدقائق القادمة. وأجد مهما في البداية أن أرسم صورة عامة عن طبيعة العمل الذي قمتُ به والذي سيكون جزء منه هو موضوع هذا اللقاء الطيب، فمحدّثكم نشر في 2019 كتابا بعنوان “داخل العقل النقدي.. مساهمة في تأصيل النقد اليومي”، والكتاب بدء في الواقع قبل ذلك بثلاث سنوات؛ كتفكّر في موضوع العلاقة بين النقد والهوية، وكيف تتأثر الهوية بالنقد. ودفعت بهذا التفكر إلى الأمام جُملة صدامات محلية، ليتحوّل كامل البحث حول فلسفة النقد والنقد اليومي وسيكولوجية النقد والاتصال اللغوي وتحديّات النقد، ولماذا وكيف يمكن أن يكون النقد فاعلا في تحديث المجتمع.

ما كنت أحاول فعله من خلال هذا الكتاب هو بناء إطار نظري للنقد اليومي الفاعل والمؤثر. فلسفة اليومي هو تيّار فلسفي ما بعد بنيوي برز ربما في فرنسا في أعمال عديدة منها كتاب “نقد الحياة اليومية” لهنري لوفيفر  (1977)، وكتاب “ابتكار الحياة اليومية” لميشال دي سارتو (1980). يشتغل بقضايا معينة دأبت الفلسفة على الترفّع عنها في الماضي. ولكن مع زيادة الضغط على الصورة وتفاقم الاستهلاك وتغلغل المادية في المجتمعات؛ جعلت الفلسفة؛ وخصوصا المحمّلة بالإرث الماركسي لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت؛ تتجه نحو نقد قضايا يومية من معاش الناس. عربيا اشتغل فتحي التريكي وعبد السلام بنعبد العالي وفتحي المسكيني وقبلهم ربما مهدي عامل، وآخرون في هذا المجال. أنا في الحقيقة ما قمت به في هذه الكتاب هو محاولة دراسة هذا النقد اليومي من زاوية فلسفية ونفسية ولغوية؛ مستفيدا من إرث الفلسفة النقدية وجهود هؤلاء المفكرين.

الآن موضوع اللقاء هنا بالنسبة لي تحدي، ما المحاور التي يمكن ضمها في لقاء وحوار مدة خمسة وأربعين دقيقة إلى ساعة، لهذا ارتأيت أن أركّز على خمسة نقاط رئيسية هي حول تحديد ماهية النقد؛ إذا قلنا تجاوزا أن للنقد ماهية معينة. ثم محور ثاني عن السلب الهيغلي كمولّد للنقد، ومحور ثالث حول ما أسميته بالعقل اليومي، ورابع حول جدلية الذات والموضوع باعتبارها ثنائية حاضرة قد تفسد النقد فيما لو كانت حادة، وأخيرا محور خامس حول النقد والمعيار، أتناول فيه فكرة معيارية النقد من جانب سيكولوجي.

ماهية النقد: حول تعريف النقد

أول ما يواجهنا في مجال تحديد ماهية النقد هو ضبابية وتشويش المفهوم؛ كما يشير إلى ذلك جون إيليس في مقالته “سؤال منطقي ما هو النقد؟”. غير أن القدر اللغوي المشترك بين الجميع تقريبا أن النقد هو الفحص مع تمييز الصحيح. فحص المعرفة مثلا أو فحص الثمار أو فحص الرجال وهكذا؛ مع تمييز ما يتصف بالصدق والصحة عن ما سواه. الشيء المشترك الآخر الذي نلاحظه في تعريف النقد هو ربطه دائما بموضوع وبإشكال معين، بحيث لا يكاد يوجد للنقد جوهر يمكن تعريفه خارج موضوعه. وهذا المعنى يشير إليه عبد الله الغذامي في كتابه “ثقافة الأسئلة مقالات في النقد” حيث يشير إلى خطورة الأسئلة المنتجة للنقد؛ أو الأسئلة الاشكالية. وهذا التلازم بين النقد والموضوع يثير سؤالا ربما مهما؛ وهو أنه إذا قلنا أن النقد لا ينفصل أبدا عن موضوعه؛ والذي سيكون في الأغلب نصا معين؛ فهل هذا يعني أن النقد مجرد تابع للنص؟ يجيب تيري إيجلتون على السؤال في كتابه النقد والأيديولوجية بما معناه أن التراكم النقدي يفضي إلى ما يسميه إيجلتون بالنظام النقدي، وخصوصا عندما يؤكد أن “للنقد حياته الخاصة المستقلة نسبيا”.

في الحقيقة أنا في هذا الكتاب أمسكت هذه التصوّر للنقد كنظام؛ كأداة ومنهج وأسلوب وطريقة. يعني قبل أن يلتصق بالموضوع. هذا النظام؛ متى يعمل بشكل أفضل في حالة اليومي؟ مستشهدا هنا برأي علي حرب في كتابه الممنوع والممتنع حيث يقول عن مفهوم النقد أنه مفهوم أنطولوجي ينطوي على قراءة لعلاقة الانسان بوجوده. جوديث بتلر في مقالة لها حول فوكو تشير إلى بعد آخر للنقد؛ وهو في علاقته مع الذات، ولعلّ هذا ما كان يدفعني في بداية الأمر لتناول النقد. كيف يتعالق النقد مع الهوية أو مع الذات، وهنا بتلر تشير إلى عملية المقاومة للمعرفة داخل الذات. هذه المقاومة تشتغل لتصنع النقد، ولتصنع معه الذات. فالذات بحسب فوكو وبحسب بتلر تتشكّل في ظل النقد؛ في ظل المقاومة الداخلية وعدم الامتثال للخارج. ويمكن أن نلخّص كل ذلك بتعريف لالاند؛ أن النقد هو الفحص الحر والعلني الذي لا يأخذ بأي إقرار من دون التساؤل أولا عن قيمة هذا الاقرار.

النقد والفكر

المسألة المهمة التالية هنا في هذا التحديد لمجال الكتاب؛ هو في التأكيد على الترادف أو التعالق الأبدي بين النقد والفكر. أهمية مفردة الفكر هنا هي لتحديد مجال النقد أو ميدان النقد بشكل أدق؛ إذ أن الفحص الحر والعلني يستدعي بالضرورة أن تكون مادة هذا الفحص مما يُدرك ويُتعقّل ويصنع بالتالي معرفة لاحقة. وهذا هو الفكر؛ الإدراك مع التعقل لما يمكن أن يصبح معرفة؛ بحسب لالاند أيضا. هذا الفكر كما لو أنه يصبح شرطا لما يمكن أن نطلق عليه نقدا يعنينا ويهمّنا في التبادل اليومي للفهومات. هناك موضوع وهناك ذات؛ والانتقالات بينهما ينتج الفكر، وهذه الانتقالات هي التي تصنع النقد. وما لم يحدث ذلك فهذا لا يعنيني داخل هذا الكتاب. ويمكن أن أضرب هنا مثلا بالفكر السياسي أو الفكر الديني أو فكر أخوان الصفا وهكذا، ولكن لا نقول الفكر الرياضي في عالم كرة القدم مثلا، أو الفكر الدوائي في صناعة الأدوية؛ لأن الصنعة هنا تغلب على عمليات الذهن.

ففي الفكر؛ وبالتالي في النقد؛ يجب أن نشعر بتلك الفاصلة التي تجعلنا نمسك المادة التي يجب أن نشتغل عليها، ثم نعود إلى ذواتنا لنصحح معرفتها السابقة، ولاحقا نعود مرة أخرى إلى الموضوع؛ وهكذا في عملية مستمرة. ولهذا النقد يرتبط بشكل جوهري بالصيرورة والتغيير والتحسين المتراكم. لو لم يقع ذلك فالأرجح أن ما نمارسه بظن أنه نقد؛ قد يكون شيئا آخر؛ إلهام، إبداع، رياضة روحية، ميتافيزيقا معينة. فالنقد هنا باختصار يشتمل داخله على قلق واضطراب يجب أن ينتهي عندما نخلص إلى ما نطمئن إليه من معرفة.

بين النقد والمنهج

الشيء الأخير هنا؛ هنا في الاشتباك المحلوظ بين النقد والمنهج أو منهج النقد. إذ لا يبدو أنه يمكننا ان نتعامل مع منهج النقد بنفس الطريقة التي نتعامل معها مع المنهج العلمي الصارم. بسبب أن مفهوم النقد نفسه يشتمل على فكرة النظام أو الأداة أو الطريق أو المنهج. ما يعني أن أي حديث عن منهج النقد هو في الحقيقة في جزء كبير منه حديث عن النقد نفسه. يمكن هنا أن أتخيّل أني أنفّذ تجربة علمية، وبعد الانتهاء من التجربة أحتاج لأقوم بشيء من الربط أو الاضافة إلى المعرفة السابقة. تنفيذ التجربة نفسها تستدعي منهجا علميا، وهو منفصل عن النتائج اللاحقة، ولكن عملية النقد التالية التي تنقض أو تؤكد أو تضيف إلى المعرفة السابقة ستتبع بالضرورة آلية أخرى ليست هي تلك التي نفهمها عندما نقول منهجا علميا. ما يعني أن قضية المنهج في حالة النقد غائمة وضبابية، لهذا نحتاج أن نبذل جهدا آخر في هذا المجال؛ ليساعدنا على تأطير عملية النقد قدر الامكان بما يعزز فعلا الوصول للمعرفة الصحيحة. ولهذا حديث آخر تناولته في الفصل الثالث من الكتاب.

——–

السلب الهيغلي: إطلالة على فلسفة النفي عند هيغل والحديث عن ما يولّد النقد عند الانسان

من تعريف النقد تبيّن لي أنه ينطوي على مقاومة من نوع ما داخل النفس لهذا الخارج. يعني نوع من النفي والرفض، أو من التوقّف والتريّث قبل الاقرار بوجود هذا الخارج. هنا في الحقيقة مرحلتين من التفاعل بين الداخل والخارج؛ لا توجد لازمة ضرورية بينهما؛ المرحلة الأولى هي التوقّف والثانية هي النفي، فقد أتوقّف دون أن أنفي، ولكن قد أتوقّف ثم أنفي. هذه الثانية هي التي كان هيغل يقصدها كمرحلة ثانية داخل مفهوم الديالكتيك. النقد في الحقيقة لا يكتفي بالتوقف، بل يصل إلى النفي، ولهذا ارتأيت أن أعالج هذا النفي أو هذا السلب الهيغلي؛ من أجل الامساك بعملية النقد بشكل أدق؛ ما الذي يجري تحديدا خلال عملية النقد؟ يختلف السلب الهيغلي عن الشك الديكارتي في أن هذا الأخير يفصل فصلا تاما بين الداخل والخارج أو بين الذات والموضوع، أما السلب الهيغلي فهو حالة التأهّب في الداخل أو في الذات للتعالق مع الخارج على نحو معين جديد.

خلال هذا السلب يجري البحث عن كل الفرص لمقاومة هذا الخارج ونفيه، بحيث لا يتبقى منه في نهاية المطاف إلا ما يصدق عليه أنه هو الواقع الموجود فعلا. ولعل هذا ما يجعل السلب مفهوما منطقيا بالدرجة الأولى. وأنا هنا أستعيره من المنطق لأسلّطه على النقد اليومي. لأن فرص المقاومة هذه تعني أن الداخل والخارج يشتبكان على نحو معين. فالذات لا تكون ذاتا ما لم تقاوم موضوعاتها فعلا. لا يوجد أنا وآخر في لحظة النقد. يوجد أنا تتشكّل في ظل وجود الآخر، فما أن تنتهي عملية السلب؛ حتى يعود الانسان إلى ذاته الجديدة عبر بوابة سلب السلب، أي الايجاب الجديد؛ الذات الجديدة بعد أن ضمّت الخارج إليها. السؤال التالي الذي طرحته على نفسي هنا هو: ما الذي يصنع هذا السلب في النفس؟ يعني ما الذي يجعل الذات تتوقّف استعدادا للنفي؟

مولدات السلب

الأمر الأول الذي يمكن ملاحظته كمولّد لهذا السلب؛ هو حالة الغياب كقابل أو مرادف للحضور. الغياب هنا يمكن أن نمثّله بالنقص أو المجهول أو المنسي، ويتم فهمه كسلب للحضور. وبالتالي التوق المستمر للحضور الذي بدوره ينتقل إلى غياب آخر. أيضا مما يمكن ملاحظته كمولّدات للسلب أو كتفاعلات تضع الحالة الداخلية في وضع السلب هو الاشتغال بالصورة المثالية المكتملة؛ أي الرغبة في الوصول إلى أكمل صورة ممكنة. فلدينا معرفة معينة أساسية، ولكنها ليست مكتملة، ولا نكاد نهدأ بدون أن تكتمل الصورة. الرغبة كمقابل لليأس والعدمية والغربة؛ أيضا تعمل على وضع النفس في حالة السلب، الرغبة في الحياة واللذة والسعادة؛ وتجاوز الضعف والآلام؛ هذه الرغبة أيضا تولّد الفعل النافي. وأخيرا يمكن أن أشير إلى ظروف القهر والغلبة والاستعباد التي قد تصنعها سلطة معينة، وبالتالي تزيد من أوار المقاومة داخل النفس توقا للتحرر من قبضة هذا الموضوع الذي يمارس قهره علينا.

يمكن أن أشير هنا أيضا إلى جملة من الظروف التي تعزز أو تؤدي بالذات إلى سلب ذاتها وبالتالي عدم الاكتفاء بنفسها، أي تتعزز القابلية لديها للتحرك نحو الآخر وبالتالي ممارسة النقد، ويشير إليها هربرت مركوزه في كتابه “الانسان ذو البعد الواحد”؛ هذه الظروف هي من قبيل ما يشتغل عليه المجتمع عبر التنشئة الاجتماعية التي تؤكد دائما على التفكير الموجب وطاعة النموذج الكامل أو العقل الكلي. أيضا ما تصنعه المفاهيم الكلية الشمولية غير الاجرائية والتي تجعلنا في الغالب مثاليين في النظر والتفكير؛ نحاول أن نتعالى على التفاصيل اليومية التي تشوّش على الكليات التي تبسّط لنا المشهد. كذلك يطرح مركوزه مسألة المخيلة الفنية على اعتبار أن الفن ليس من السهل أن يخضع لعقلانية المجتمع والدولة، وبالتالي يعمل على التفكير النافي ولكن بطريقة ناعمة ربما. وأخيرا مع المحيط المتشائم أو التشاؤم كطاقة سالبة تفجّر ينابيع النقد في الروح. والخلاصة التي ربما أنتهي بها هنا هو مفهوم الإشكالية. فالسلب الهيغلي هو ما يصنع الإشكالية كنتاج متقدم للفكر النافي؛ والتي تشمل داخلها التوقف والتريث والشك، ومن ثم ملاحظة الأسئلة الكثيرة المتشابكة، وغموض المنهج الذي يمكن عن طريقه معالجة هذه الأسئلة، وعدم وجود أجوبة جاهزة نهائية عليها، مع قابلية مستمر للنفي والاثبات في أي لحظة.

—–

العقل اليومي: شرح فكرة اليومي، وبيان علاقتها بالنقد وأهمية هذا اليومي

لاحظت أن أول من أطلق مصطلح العقل اليومي بهذا العنوان هو الدكتور فتحي المسكيني في كتابه “فلسفة النوابت” الصادر في 1997. وأنا هنا استعرته لأشير إلى النقد المتبادل في ظل وجود عقل مشترك يمثّل المتوسط العام إن جاز لي التعبير لتاريخ وحاضر المجتمع. أي النقد اليومي في ظل قواعد عمل وأعراف وقوانين متعارف بها ومتسالم عليها. ما يهمني هنا هو أنه بعد أن حددت ما أعنيه بالنقد موضوع الكتاب ومالذي ينتج هذا النقد؛ من المهم أن أعرف أين يعمل هذا النقد. فهو بحسب المسكيني يعمل في ظل حس مشترك وذائقة عامة تمثّل التفكير الكلي للمجموع، ما يعني أن جملة من التوقعات قائمة سابقا وتفترض أن ما نطرحه سيصنع استجابات على نحو معين. هذا يجعل النقد اليومي مجموعة خطابات يومية يتم ضبطها في أحيان كثيرة عبر المؤسسات العاملة في المجتمع كالمسجد والجامعة والمحكمة؛ بحسب المسكيني. هذا النقد اليومي يهتم بموضوعات الساعة ولكن يعالجها وفق منهج من المناهج المتاحة؛ وإلا فيتم طرقها فلسفيا. طبعا هذا الموضوعات يمكن أن تكون عادة شعبية أو قطعة فنية أو عمل أدبي أو منتج ثقافي ما أو فيلم سينمائي أو أي علامة أو رمز صار له رواج وحضور في المجتمع. أحيانا النقد اليومي يطرق مواضيع مختلفة من الرياضة والصحة والأزياء والطبخ والتسلية وألعاب الأطفال أو الهوايات المختلفة. المهم توليد معنى جديد من لامعنى أو فلسفة من لافلسفة، وبحسب مهدي عمل صنع فكر من الحدث والخبر اليومي.

مفهوم الفلسفة الشريدة

فتحي التريكي أيضا يتحدث في كتابه “فلسفة الحياة اليومية” عن فلسفة اليومي ويسمّيها أحيانا الفلسفة الشريدة. التريكي يحدد هذا اليومي أولا بالقرب المكاني؛ يعني ما يجري حولنا، وأيضا بالاستمرارية؛ يعني حدث متكرر ويلفت الانتباه. وفلسفة اليومي بالتالي هي التي تبحث عن المعنى في ذلك. الحركة والتناقض والتغير هو ما يميّز هذا اليومي، وبالتالي فهو ليس ساكنا ولا مطلقا، وهذا ما يجعل فلسفة اليومي هي فلسفة النسبي، وتكون بالتالي في صراع مزمن مع الثوابت والمطلقات. الفلسفة النقدية بما تحمله من إرث ماركسي اشتغلت أيضا باليومي عبر ملاحظة ما أفرزته الرأسمالية من مجتمع استهلاكي عماده الصورة التي  باتت تتخذ أشكالا أيديولوجية اهتم فلاسفة فرانكفورت بتعريتها. المستهلك هنا والذي ينتج كمّا كبيرا من البيانات عبر ممارساته اليومية ولغته وعاداته في التسوق والترفيه والرياضة وغيرها؛ هذا الفرد هو موضوع الاشتغال في فلسفة اليومي، هذا الفرد يسميه ميشيل دي سارتو في كتابه “ابتكار الحياة اليومية” بالانسان العادي، ولغته باللغة العادية؛ الشخص الذي يتلقى الخطابات والاعلانات والمنتجات وفق غريزته. هذا الانسان العادي يصبح هو مركز الاهتمام النقدي؛ فعنده تتجمع كافة السيناريوهات التي تحاول إرضاءه واجتذابه.

—–

جدلية الذات والموضوع: صراع الذات والموضوع داخل النقد

في هذه المسألة؛ الهدف واقعا لتحقيق فكرة أراها مهمة. وهي أن النقد بقدر ما هو نشاط فردي هو أيضا نشاط جماعي. فأين وكيف تلتقي الذات مع الموضوع داخل النقد؛ بدون أن يكون النقد ذاتيا من جهة ولا آليا ميكانيكيا من جهة أخرى؟ ما يهمني هنا هو الكشف عن وجود تمازج بين الذات والموضوع؛ يزيد أو ينقص بحسب تجربة كل ناقد وكل ممارسة نقدية. النقد كممارسة في جوهره يهدف إلى المشاركة والاتصال. نحن نصبّ شيئا من ذواتنا داخل هذا الحوض الكبير الذي نسميه مجتمع، في مقابل نأخذ ما نراه صائبا ونافعا من هذا الوسط ونضمه إلى وعينا. في الغالب الثنائية الحادة بين الذات والموضوع لا تنتج نقدا يخدم هذه المشاركة وهذا الاتصال الذي يعزز الروابط داخل المجتمع، بل ما ينتجه هو إما أن يكون نقدا تصنيفيا أو نقدا مدمّرا وهدّاما. لماذا؟ لأن الذات هنا متمركزة حول نفسها ولا تصطف إلى جنب الموضوعات التي تريد تناولها، فتصبح هي الأخرى موضوعا لوعي أعمق من ذلك الوعي المبدأي الراغب في التملّك والسيطرة.

الذائقة الناقدة

أوّل ما يمكن أن أشير إليه في موضوع التقاء الذات بالموضوع هو موضوع الذائقة، أو الذوق. أحيانا ربما نفهم من الذائقة أنها ذاتية وليست موضوعية، أو أن الشخص يتبع تفضيلاته الشخصية ولا يتبع الحقيقة، أو أنه يتبع هواه. وهذا واقع فعلا. ولكن ما أعنيه هنا تلك الذائقة الخبيرة المدرّبة، والتي عندما تصدر حكما ذوقيا؛ قد يبدو أنه ذاتيا، ولكنه يصدر عن ذات أذابت داخلها عدد كبير من الموضوعات والتجارب بحيث أن النقد الذي تقدمه التقت فيه الذات والموضوع في آن واحد. هذه الذائقة تحظى باهتمام في النقد اليومي وفي أكثر من حقل معرفي؛ وأنا هنا أوظّفه لصالح كسر تلك الثنائية الحادة للذات والموضوع. من الممكن أن تجعل الذائقة من النقد نقدا متحيّزا وغير موضوعي. وهذا ما أريد أن أركّز عليه. لأن التحيّز أو عدم الحياد لا يعني بالضرورة عدم الموضوعية، فنحن هنا ننظر إلى محتوى النقد نفسه؛ أو ما هي معايير هذا النقد؟ داخل المعيار تلتقي أيضا الذات مع الموضوع. فالقيمة التي نرجوها من النقد هو ما يفرز بعد أن يكون النقد قد أقنعنا بالمعايير التي يلتزم بها. المعيار في الحقيقة نتاج متطوّر لذائقة مدرّبة قديمة. الذائقة أو ملكة الحكم (أو اذا جاز لي.. ذلك المزيج من الذات والموضوع) هنا تصنع قوانينها الخاصة بحسب ديدرو، وتنحو في نفس الوقت لتكون عالمية بحسب كانط.

مفهوم التنظيم الذاتي

هذا التشابك بين الذات والموضوع مهم أيضا لتجاوز الحتمية التي كان يزخر بها العلم، وربما هي مستمرة أيضا عندما يقطع حاليا بعدم الحاجة إلى الإله مثلا. وقد وجدتُّ أن إدغار موران يعبّر عن ذلك خير تعبير في مفهوم “التنظيم الذاتي”، في كتابه “الفكر والمستقبل مدخل إلى الفكر المركب”، ويقصد به تلك الذات التي عندما نطالع فيها نكتشف أن المجتمع يعيش داخلها كنظام أو كتنظيم. صحيح أن كل منهما يقاوم الآخر؛ الذات تقاوم الموضوع والموضوع يقاوم الذات، ولكنهما في مقاومتهما تلك يشكلان هذا الكل الذي أحاول رصده هنا. فالهدف أن لا يطغى الذاتي على الموضوعي بحيث يصبح النقد مجرد هوى شخصي، ولا الموضوعي على الذاتي بحيث يسرف النقد في الميكنة للدرجة التي ينسى أن هناك ذاتا ترصد وتراقب وتحمل رؤية كونية معينة.

—–

النقد والمعيار: ماهية المعيار، وعلاقته بالنقد

كان من المهم بالنسبة لي في الكتاب أن أتحدث عن المعيار وأدرس الدور الذي يلعبه في النقد؛ كمحاولة لفهم ما الذي يصنع النقد الجيد. طبعا عندما نحاول الحديث عن المعايير؛ فنحن ندخل على مساحة واسعة جدا من الحقول الكثيرة، كون المعايير متصلة جذريا بالمنطق والأخلاق والسياسية والقانون والاجتماع والادارة بالإضافة إلى النقد اليومي؛ وهو ما يهمني هنا. والحقيقة، يمكن هنا ملاحظة نوعين من المواقف التي نقرأ فيها نقدا، ولعلي هنا أستند إلى ريتشارد رورتي في نقده للطريقة العلمية. لدينا مواقف تتسم بالوضوح والانكشاف التام لنا، بحيث أن جميع أو معظم المتغيرات والعناصر المتضمنة واضحة، وبالتالي يمكن بسهولة تطوير معايير صارمة ودقيقة تقابل هذا الوضوح، ويمكن بالتالي الحكم بثقة على ما ينتمي وما لا ينتمي. ولدينا في المقابل مواقف تتسم بالغموض واللايقين وعدم التحديد، فليس من السهل تحديد معايير صارمة تحدد ما الذي يجدر بنا فعله وما هو الحسن وما هو القبيح، ولكن يبقى الأمر ملحّا ويستدعي وجود معايير معينة للتفكير في مثل هذه المواقف؛ والتي ربما تتكرر أمامنا بشكل أكبر من السابقة.

النقد المعياري والنقد الطارئ

هنا يتم التمييز بين نوعين من النقد: نقد معياري ونقد طارئ؛ كل واحد يشتغل وفق مبادئ خاصة وفي نطاقات مختلفة. فإذا كان النقد المعياري شامل ومتعالي ويميل للتجريد؛ كونه يستند إلى معايير واضحة ومتراكمة، فإن النقد الطارئ يكون خاصا وارتجاليا وربما غير مخطط، ويُتداول في دوائر ضيقة بسبب كثرة المقدمات والاشتراطات التي تحدد ما الذي يجب ملاحظته ووضعه في الاعتبار أثناء النقد. التمييز بين هذين المسارين من النقد مفيد في تحديد متى تكون صرامة النقد ضرورية ومتى تكون العكس. فالنقد المعياري يتولّد من الواجب، بينما النقد الطارئ يتولد من الممكن. النقد المعياري توحيدي يهدف للخروج بتصورات ثابتة عن ما هو صائب، بينما النقد الطارئ ظرفي يختص بشروط محددة ولجماعة معيّنة، وبالتالي يتعدد الصواب ولا تحضر المرتكزات المنتهية لإصدار الاحكام. النقد المعياري ينشط في الفضاء العام ليصنع الوعي الكلي، بينما النقد الطارئ ينشط في الفضاءات الخاصة وتكون عمومية ومرنة ومطاطة. لا توجد مفاضلة حقيقية هنا، إذ لكل نوع من النقد مقامه؛ غير أن دمجا من نوع ما بينهما قد يكون أدعى للمجتمع أن يحافظ على تماسكه بدون أن يكون ذلك على حساب التجمّعات الصغيرة داخله، وفي نفس الوقت بدون أن ندخل في النسبية التي ينتجها النقد الطارئ بطبيعته.

المعيار والدافع

بقي أن أشير إلى أمر مهم فيما يتعلق بالمعيار، وهو في علاقته بالدوافع. لأن فهم الدوافع التي تحرّك الانسان في المواقف النقدية المختلفة؛ يؤثّر على كيفية تفاعلنا مع النقد المصدّر من ها هنا وها هناك. المعايير سابقة على الدوافع، وجزء من وظيفتها هو في ضبط هذه الدوافع وتوحيدها حتى لا تشطر الانسجام الذي خاضت فيه المعايير نضالا طويلا من أجل تحقيقه، وبالتالي التحرّك البطيء والتدريجي للنقد الطارئ باتجاه النقد المعياري؛ سيتّصل بمعرفة وفهم هذه الدوافع. قد تبدو العلاقة بين المعيار والدافع ضعيفة جدا للوهلة الأولى، حيث ينتمي المعيار إلى العقلانية المتعالية، بينما ينتمي الدافع إلى محض الذاتية البشرية. ولكن في الحقيقة ما يصنع الاجتماع البشري هو ذلك اللقاء بين المعايير والدوافع. هذا اللقاء يعني أن يقلل المعيار من تعاليه، وأن تترفّع الدوافع عن ذاتيّتها. فمثلا العدالة الملتزمة حرفيا تجاه المعايير؛ ستكون عدالة قاسية قد لا نطيقها حتى مع أحقّيتها. ولكن مع وضع الدوافع في الاعتبار ستكون الرحمة جزءا من العدالة. من الممكن أن نقيس ذلك على النقد بشكليه المعياري والطارئ، فإذا عرفنا أن ما يتحرك داخل المجتمع في واقع الحال هو الدوافع وليست المعايير؛ فبالتالي تغيّر الدوافع سيتّبعه تغير معين في المعايير؛ وإلا فإنها ستكون مثالية لا يمكن تطبيقها، وبالتالي ستكثر عملية الانتهاكات والتجاوزات؛ في العلن أو في السر.

وخالص الشكر على الدعوة والحضور والاستماع.

—-