أكتوبر 26, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

تفكيك الخوف من السياسة

* محمد العجمي

هذه المقالة من كتاب “داخل العقل النقدي”

لا يوجد مثل الخوف ما يمكن أن يشلّ قدرات العقل عن العمل. فلا يزال الانسان قادرا على التفكير والتحليل العقلاني حتى يتسرّب الخوف إلى روحه؛ عندها تتعطّل قدراته على التفكير العقلاني والربط المنطقي. لهذا تلعب السلطات المستبدّة كثيرا على وتر الخوف؛ لتحقيق أهدافها المختلفة في السيطرة وتوجيه الناس وإدارتهم بأقل الخسائر. الخوف السياسي لا يعني الخوف من السلطة أو الزعيم فحسب؛ بل الخوف من كل ما يتّصل بالسياسة داخل الدولة والمجتمع؛ حتى خوف السلطة من بعض فئات الشعب. ولنا هنا أن نتأمّل الخوف من الارهاب أو الاسلامفوبيا أو قلق الهجرة وكيف توظّفه الادارات الأمريكية المتعاقبة والأحزاب اليمينية بأوروبا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ أو حتى قبل ذلك؛ لتمرير مشاريعها على الرأي العام. في بيئاتنا العربية حيث الاستبداد يمارسه الجميع على الجميع تقريبا؛ تتعدد أشكال الخوف وتتناسل بدرجة غير طبيعية؛ الخوف من المستقبل، الخوف من الخارج، الخوف من عملاء الداخل، الخوف الاقتصادي، الخوف من الحريات، الخوف من الحرب، الخوف من الاسلاميين، الخوف من الليبراليين، الخوف من الشك. فالمواطن العربي يجب أن يكون مواطنا رغما عنه؛ وفق مقاييس المواطنة المفصّلة سابقا والتي يجب أن يلبسها كما هي. ولا بدّ أن يخاف ليفعل ذلك. فالهوية ليست اختيارا وإنما قدَرا عليه، وأمامه عشرات الكتل المفهومية التي يجب أن يقدم لها الولاء والطاعة؛ الدولة، القبيلة، الدين، اللغة، الوطن، العائلة، الزعيم، الحكومة، العسكر، رجال الدين، الصحابة. أشكال الخوف كثيرة؛ ولكن ما يؤثر منها على جسارة النقد وجرأته هو الخوف السياسي بالدرجة الأولى. الخوف من الموت مثلا لا يتناسل ولا يتمدد. كذلك الخوف من الله؛ وهو خوف ليس مباشرا؛ بل ربما يكون داعما لبناء الروح الحرّة عندما يلغي أي خوف آخر، ويظل كذلك ما لم تقفز عليه سلطة معينة وتصادره لصالحها. فالخوف السياسي هو الذي يفرّخ معظم أشكال الخوف التي تتصل بالفكر والوعي والتعبير والنقد. لهذا نحتاج أن نركز عليه، ونحاول الكشف عن بعض أساطيره وكيف تعمل، فهذا في رأيي سيسهم في تخفيف الرعب الذي يمكن أن يتسبب فيه، وهو غالبا ما ينتج من ضعف وهزالة المعرفة وقلّة فرص التأويل لفعاليات السلطة وتجليّاتها.

يبدأ الخوف السياسي من الاستبداد، ويبدأ الاستبداد من فصل الدولة عن المجتمع. الدولة هي إفراز طبيعي لرغبة الجماعة في البقاء والاستمرار. والصلة بين المجتمع والدولة وجودية، فكلاهما ضروري لوجود الآخر. المجتمع يوجد الدولة لكي تحافظ عليه. فصل الدولة عن المجتمع يعني أن تتحول الدولة إلى غاية لنفسها. تعطي مبرر الوجود لذاتها من ذاتها، وليس من المجتمع. فهي قائمة قبل وبعد وبدون المجتمع، والمجتمع يصبح عالة عليها. ما الذي يصنع ويكرّس هذا الفصل؟ الجواب هو السلطة أو النظام؛ المؤسسة بعبارة أخرى. وهذه نقطة مهمة جدا. المجتمع يوجد الدولة عبر مؤسسات يقوم بإنشائها ويسند إليها بعض الوظائف الحيوية بالمجتمع. المؤسسات السيادية هي الأكثر أهمية وحساسية؛ كالجيش والشرطة وجهاز القضاء والبرلمان، ولاحقا البنك المركزي والحكومة وما يتفرع عنها. يبدأ الخطأ عندما تُختصر الدولة في السلطة، فتنصّب هذه السلطة نفسها مكان الدولة، فتذوب تلك الفاصلة الحيوية جدا بين الدولة والسلطة. الانسان بطبيعته ينفر من السلطة ولكنه لا ينفر من الدولة. هو يحب أن تكون له دولة توفر له الانتماء وممارسة النشاط اليومي، ولكنه لا يحمل نفس الشعور للسلطة المؤسسة؛ لأنها تقيّد حرّيّاته. السلطة تصنع هذا الفصل عن طريق مأسسة كافة أشكال العمل الاجتماعي. عين المجتمع على الدولة ويحتاج أن يثق فيها، فيسند إليها مأسسة أنشطته وتفاعلاته اليومية. تختطف السلطة هذه الثقة وتبني المؤسسة وترفع يد المجتمع عن المؤسسة الوليدة. بالرغم أن الحاجة للمؤسسة هي حاجة المجتمع؛ غير أن المجتمع لاحقا يكتشف أنه غير قادر على التأثير على المؤسسة أو إلغائها. السلطة استحوذت على حق بناء وتغيير وإلغاء المؤسسة. العمل المؤسسي بطبيعته يصنع استعلاء على العناصر السائمة قبل ابتكار النظام. لأن العقل أصبح هو الذي يدير العمل؛ بعد أن كان يجري بشكل سائم وغير منظم. الجزء بعد ذلك لا يحق له محاسبة الكل، لأن الجزء ناقص والكل كامل، فكيف يستطيع الناقص الاحاطة بالكامل؟ وإن كان من دور يمكن لهذا الجزء يستطيع القيام به فهو ضمن طاحونة العمل المؤسسي فحسب. السيادة انتقلت من الناس إلى المؤسسات؛ والتي استحوذت عليها السلطة/النظام/الحكومة/المؤسسة الأم، فبدأ الناس يشعرون بأنهم خسروا سيادتهم على أنفسهم وحياتهم لصالح كائنات شبحية داخل السلطة؛ تعمل وتتحدث وتعاقب وتثيب؛ كل ذلك باسم الدولة. ما الذي يستطيع هؤلاء الناس القيام به سوى الصراخ؟! الجواب في إدراك أن السلطة ليست هي الدولة، ومن ثم يجب معرفة ما هي السلطة وكيف تعمل؟

يمكن أن نقترح أن السلطة أنثروبولوجيا تبدأ من مفهوم الحياة المشتركة وما يصنع التماسك كانتقال من المفرد إلى المشترك؛ وفق ما يطرحه تزيفيتان تودوروف في كتابه “الحياة المشتركة” حيث يؤكد على حاجة الانسان إلى الاعتراف به، فهو لا يستطيع التوحّد مع ذاته بدون أن يلاحظ وجوده كفكرة لدى الآخرين. أشكال الاعتراف كثيرة جدا بحسب تودوروف، وهذه الأشكال تفسّر التنوع الهائل في المجتمعات البشرية، وهي في جميع أشكالها من إشادة وتصفيق وتأييد واستماع وتعزيز وتوجيه أو ذم ومعارضة وتسقيط وخديعة؛ جميع هذه الأشكال من الآخر تمثّل برهانا على وجود الأنا [1]. تمثل الحاجة لهذا الاعتراف اللحظات الأولى للانتقال من الأنا إلى النحن، وهي تبدأ مع إدراك الطفل لأهمية إشادة الكبار به وباكتشافاته. يقع الخلل عند الانتقال من المفرد إلى المشترك طلبا للاعتراف، وهو الذي يشير إليه زيجمونت باومان نقلا عن أدورنو؛ التعطّش لطاعة الأب الأول كما يصطلح عليه غوستاف لوبون، أو يقصده سيجموند فرويد وهو يقول: “إن الجماعة تتمنى أن تُحكم بقوة غير مقيدة، إن لديها ولعا متطرفا بالسلطة” [2]. فلكي أنال الاعتراف يجب أن أخضع وأستسلم للأب، ومن خضوعي له أنال حظا من قوّته وسلطته أستخدمها أنا الآخر مع من هم أقلّ مني شأنا. الاعتراف يصنع التماسك، والتماسك هو الآخر مقولة اجتماعية تمثل مرحلة ثانية في الولادة الأنثروبولوجية للسلطة. عندما يجمد طلب الاعتراف عند لحظة الخضوع للأب؛ بالمعنى الذي يعطيه التحليل الفرويدي للأب، فإن الخوف يتسرّب إلى التماسك الذي سيكون مهددا بكافة أشكال انعدام الثقة والعزوف عن المشاركة وارتباك الانتماء. وتبرز هنا السلطة كوسيط بين الاعتراف والتماسك، فتحل محل الأب لتعيد إنتاج الخوف القديم ولكن في صور مخفّفة وسائلة، تحافظ في ظلها على حق الأفراد في نيل الاعتراف، وفي نفس الوقت تنسّق بينهم لضمان تناغم تحقيق الذات مع الولاء للجماعة. لو فعلت السلطة أكثر من ذلك؛ فستبدأ في القفز على الدولة والبدء بعزلها عن المجتمع، مستفيدة من الهيبة التي ورثتها من الأب، ثم اشتغلت عليها تفخيما وتضخيما.

وهذا يأخذنا إلى الرؤية التي قدمها ألكسندر كوجيف في كتابه “مفهوم السلطة” حيث يشترط أن يكون توقع الاستجابة والتنفيذ؛ سلوكا مقدما في تمييز فعل السلطة عن غيره، أي أن السلطة تفترض أن الأمر سينجز دون أي اعتراض [3]. يحدد كوجيف أربعة أشكال مجرّدة للسلطة: الأب والسيد والقائد والقاضي، ويعتبر أن سلطة الأب هي المصدر الأول للسلطات الثلاث التالية، فهي سلطة المقدّس وسلطة الإله، وتكون موجودة كنواة في كافة أشكال السلطة، فعند كل إنسان يمارس سلطة معينة يوجد جوهر معين لسلطة الأب، فما إن يختفي الإله أو الأب من الصورة حتى تتشكّل السلطة في مستويات تالية تحل محل سلطة الإله، وهذه هي الفكرة العلمانية للسلطة والتي تطوّرت في السياق المسيحي. الشكل المجرّد الثاني للسلطة هو سلطة السيد هي المستوى الذي يشير إلى علاقة السيد بالعبد كما طوّرها هيجل في كتابه “ظاهريات الروح”، وتتجسّد في أشكال كثيرة من علاقة (السيد/العبد)، كسلطة المنتصر على المهزوم، وسلطة الجندي على المدني، وسلطة مالك الأرض على عمّاله، وسلطة الرجل على المرأة. المفهوم الرئيسي المميز لهذه السلطة هو الاعتراف كما يطرحه هيجل. فالثورة هي نوع من الارتباك الذي يحصل في هذا المستوى من السلطة؛ لكي يحصل العبيد على الاعتراف من سيدهم. الشكل الثالث هو سلطة القائد؛ والتي تتجسد في سلطة الضابط على الجنود، وسلطة المدير على الموظفين، وسلطة الأستاذ على طلابه، وسلطة النبي أو رجل الدين على أتباعه. هذه السلطة مرتبطة بشكل أساسي بمشروع مستقبلي؛ كالوظيفة أو الدراسة أو الجندية أو الحكم [4]. هذا الشكل من السلطة يستقيه كوجيف من نظرية أرسطو عن السلطة. أما الشكل الرابع فيستمده كوجيف من نظرية أفلاطون عن العدالة، فسلطة القاضي قائمة على تحقيق العدالة كفضيلة. وعموما السلطة التي ترتبط بالدولة هي مزيج متفاعل من سلطات السيد والقائد والقاضي؛ وليس الأب. على اعتبار أن الدولة الحديثة ألغت سلطة الأب مع الاعلان النيتشوي عن موت الإله.

ميشيل فوكو سيكون له مفهومه الخاص عن السلطة؛ ضمن المنهج الذي يرسمه لنفسه عن إرادة المعرفة وهو يحلل الحداثة الغربية. وهو مفهوم ينطلق من القاعدة الاجتماعية للسلطة إلى الأعلى حيث المؤسسات والأنظمة، وليس العكس. وهذا تقريبا هو نفس فكرة إلغاء سلطة الأب الفوقية في الدولة الحديثة كما عند كوجيف، حيث إن السلطة كفعالية هي مختزنة داخل التفاعلات اليومية والتجاذبات بين الأفراد والهياكل داخل المجتمع. فوكو يحول إبعاد فكرة المركز عن السلطة، فشرط وجود السلطة ليست حيازتها من قبل أطراف وفقدانها عند أطراف أخرى، بل هي شبكة من موازين القوى في حالة تخلُّق وتلاشي مستمرين [5]. أكثر من ذلك؛ ففوكو ضمن منهجه الأركيولوجي في دراسة المعرفة؛ يرفض اعتبار السلطة مؤسسة أو بنية أو قدرة معينة لدى البعض، بل هي وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين؛ على حدّ تعبيره، وذلك لأنه ينظر في الجذور. الدولة بمؤسساتها وأنظمتها إنما هي أشكال السلطة النهائية، أما السلطة نفسها فهي شبكة من العلاقات والتوازنات داخل في صلب الجسم الاجتماعي، فهي لا تُكتسب ولا تُفقد، بل هي لعبة علاقات غير متكافئة ومتحركة. لهذا يرفض فوكو ثنائية الحاكم والمحكوم في فهم السلطة، نعم يمكن استخدام هذه الثنائية في المستويات العليا للسلطة، ولكن ليس في فهم المستويات العميقة، ولعل هذا ما يجعل فوكو يؤكد وبقوّة أن مقاومة السلطة هي جزء لا يتجزأ من السلطة، بل إن السلطة لا تكون سلطة ما لم تكن هناك مقاومة؛ ليست على شكل مركز موحّد للرفض الكبير الذي يتحرك وفق عمل مؤسسي لإزاحة السلطة، بل هي نقاط للمقاومة متوزعة في كل مكان بالشبكة السلطوية [6]. هذا الفهم الفوكلدي للسلطة مع الأشكال التي تحدث عنها كوجيف يكشف لنا عن الدثار الذي يغطي به الاستبداد نفسه ويسميه السلطة. وكيف أن هذه السلطة/المؤسسة تختزل تفاصيل هائلة، فهي لا تعدو أن تكون قمة جبل الجليد الذي متى ما بدأنا ندرسه ونحدده؛ سيتلاشى ذلك السحر القديم الذي يثير الرعب ويسمى السلطة.

ما تفعله السلطة/المؤسسة هو أنها تحاول أن تقطع جذورها عن المجتمع؛ باسم العقلانية تارة أو باسم الأمن القومي تارة أخرى. ينبّه زيجمونت باومان لهذا الفصل الذي تقوم به السلطة/المؤسسة بين الدولة والمجتمع. باومان هنا يلعب نفس الدور الذي لعبه أساطين مدرسة فرانكفورت في نقد الحداثة الغربية، ويعتبر أن البيروقراطية التي مثّلت ذروة إبداع الانسان في الدولة الحديثة؛ هذه البيروقراطية المؤسسية عملت على تحييد الفعل الاجتماعي عن الحس الأخلاقي، وتجريد الفاعل الاجتماعي من المسؤولية الأخلاقية. وذلك عن طريق مأسسة المعرفة؛ المعرفة في خدمة المؤسسة، حيث تحل أخلاق المؤسسة بالتدريج محل أخلاق الفرد. تغيب الممارسة الأخلاقية الشخصية، ويصبح الشخص مسؤول أمام النظام وليس أمام نفسه. كل ذلك يجري في ظل إشباع استهلاكي منقطع النظير توفره الدولة للأفراد، وفي الوقت الذي يكون السطح الظاهر للجميع هو تحرير المجتمع من الخوف، غير أن ما تحت هذا السطح يجري تنمية أشكال أخرى من الخوف: الخوف من الخارج، الخوف من الأخطار التي تهدد الأمن الشخصي، الخوف من العنف، الخوف من الارهاب، الخوف من الفتنة، الخوف من تدمير النسيج الاجتماعي [7]. يؤدي ضعف الممارسة الأخلاقية وندرة المواقف التي تحتاج لقرارات أخلاقية شخصية؛ إلى ارتماء الفرد واختفائه كليا في المؤسسة. ويصبح غير قادر على النظر إلى نفسه كقيمة خارج هذه المؤسسة. فقيمته من قيمة وظيفته. بل يصبح الهاجس الأكثر رعبا له هو الخوف على المؤسسة والخوف من غياب المؤسسة. يضرب باومان هنا أمثلة مختلفة عن استسلام إنسان المدينة للخدمات التي لا يمكن أن يستغني عنها. فأبسط كارثة كانقطاع الكهرباء أو الماء أو خدمة الهاتف سوف تحدث هزّات كبيرة جدا في جسد المجتمع [8]. وهكذا يصبح للدولة الحضور الأهم والأكبر في ضمير الفرد في مقابل المجتمع. فمن يوفر الأمان والخدمات هي الدولة وليس المجتمع. وهكذا تتّسع الهوّة بين الدولة والمجتمع صانعة أنوية الاستبداد داخل السلطة، فمن يعرف أنه لا خيار آخر لديك سواه؛ سيكون أكثر استعدادا للاستفراد بك وقهرك. هذا الاستبداد في مستوياته المتقدمة سوف يصنع مجتمع الكذب؛ النتيجة الطبيعية الأبرز لثقافة الخوف، وما إن يتسرب الكذب إلى قلب الممارسة السياسية حتى يتم تزييف الوعي، ومعه كل محاولة لإدراك الواقع. وبالتالي تدمير أي إرادة جادة للإصلاح. فما هو الحل؟

احتكار السلطة/المؤسسة لمفهوم الدولة سيتبعه بالضرورة تمدد للدولة على حساب المجتمع، ومع الخوف المنتشر سيصبح أي نقد للسلطة هو بمثابة تهديد وجودي للدولة. وهنا تأتي مسؤولية الفاعلين الاجتماعيين؛ بنفس المفهوم الذي يطرحه زيجمونت باومان قاصدا بهم المثقفين من فلاسفة وفنانين ومنظرين؛ في الانتقال من نقد الدولة إلى تشغيل المجتمع المدني؛ عبر معالجة فكرة الخوف بتحويل منابع الخوف القديمة إلى تجارب كما يقترح باومان ذلك، فما المانع من أن تصبح مصادر الخوف السياسي الحالية تجارب أيضا؟ الصراعات القديمة تجارب، والاعتصامات تجارب، وقضايا حرية التعبير تجارب، والتنظيمات السرية تجارب، وأخطاء التنمية تجارب، والقرارات الادارية الفاشلة تجارب، وهكذا؛ يقوم الفاعلون الاجتماعيون بتحويل كل أشكال الخوف والقلق إلى تجارب يتم طرحها ومناقشتها في الفضاء العام. كل ذلك يتم عبر تحفيز مسؤولية التحرر الذي يضطلع بها النقد الاجتماعي وهو يرمي إلى تنمية أفراد مستقلين؛ يحددون اتجاهاتهم ويقررون اختياراتهم بأنفسهم وبكامل وعيهم [9]. فمثلا مع المخاوف الأمنية؛ يتم ‏الحديث عن مهمة تحقيق التوازن بين الحرية والأمن كاستراتيجية للخروج من عنق الزجاجة التي تكدس خلف بوابة الأمن عشرات القضايا والحقوق المتولدة تلقائيا من الشعور الأصيل بالحرية. كيف يتم تحقيق هذا التوازن؛ ذلك ما يجب أن يفكر فيه المثقف والناقد الاجتماعي، إن يكن عبر تجارب مشابهة، أو تحويل المخاوف إلى تجارب. هنا فقط سيولد المجتمع المدني، والذي بلا شك؛ ‏يجب أن يقاوم رهاب السلطة؛ ليس باعتبارها موضوعا له مركز يشغل مكانا ما؛ بل باعتبار نفسه كمقاومة؛ جزء من السلطة ذاتها، فلا يستسلم عند أول ضربة. إذ أنه من الطبيعي أن تتمدد الدولة على حساب المجتمع المدني، لأسباب متصلة بعقلنة النشاط اليومي وبالبيروقراطية الادارية، فلا يجدر بالقوى المدنية التوقف والذوبان في الدولة. السيادة يجب أن تنتقل من المجهول (الدولة) إلى المعلوم (السكان).

هناك أشكال من الممارسة والفعل السلطوي تتأثّر بعوامل خارجة عن السلطة نفسها، وتؤدي إلى نتائج مؤثرة على السكان، ففهم هذه المؤثرات الخارجية وعلاقتها بما يترتب عليها من تغيّرات داخل المجتمع؛ سيكون مجالا وحقلا مهما للاشتغال عليه من قبل الفاعلين الاجتماعيين. لنأخذ هنا مثالا على التأثير الذي تصنعه الصراعات الدولية والعولمة على السلطة، وكيف أنها تسهم في مزيد من تجريد الدولة وترفّعها عن تفاصيل الواقع اليومي للناس؛ وخصوصا الدول التي لا تنتج بضائع تقع في أيدي الناس، أو لا تمتلك رصيدا ثقافيا كافيا لتحقيق التوازن مع ما يأتي من الخارج. مثل هذا الصراع يترك تأثيرا قويّا على الواقع اليومي؛ في الغالب تأثيرا سلبيا، فالمهددات الخارجية المستمرة يعني مزيد من الضغط على الهُويّة؛ والتي تمثل المبرر الوحيد تقريبا لوجود الدولة، فإذا أصبح الشغل الشاغل للدولة هو حماية هذه الهوية والدفاع عنها في وجه الضغوطات التي تفرضها المتغيرات الخارجية؛ فالنتيجة هي دولة هلامية ضبابية لا تستطيع التشكّل بالصورة التي تفرض هويتها من مجرد الاسم أو بفعل إنتاجها الصناعي والثقافي. هذه الدولة الهلامية تضطر أن تترفّع عن الحدث اليومي وتجنح نحو مزيد من التجريد والاختزال للتفاصيل اليومية بالمجتمع؛ ما ينتج في نهاية المطاف شمولية في السلطة. الشمولية ليست ناتجة كليّا من إرادة سلطوية مستقلة تماما عن المؤثرات الخارجية، بل يسهم فيها الخارج بشكل يمكن ملاحظته والتعامل معه. هنا على سبيل المثال؛ الخطاب الملحّ والمتكرر من السلطة عن موضوع الاستقرار والسلم الأهلي ومجابهة بعض الدعوات الداخلية باعتبارها مزعزعة للاستقرار؛ لا نستطيع تبرير ذلك بعيدا عن صراعات الأسواق العالمية التي تفترض مسبقا أن هذا المجتمع أو ذاك هو سوق استهلاكي مهم وواعد. وهنا نظرا لكون حجم تأثير الدولة عالميا ضعيف جدا ويكاد لا يذكر، فسيتم اللجوء إلى ممارسات حكم يتم الخلط فيها بين العقلانية واللاعقلانية؛ استقرار مزيّف وكذب إعلامي وتركيز على قضايا هامشية وذباب إلكتروني ورقابة مفرطة على الثقافة. هنا تضطر السلطة لأن تصنع مجتمعا سياسيا خاصا يعمل كظهير لها، تذيب داخله كافة المطالب المدنية من نقابات وصحافة وإعلام اجتماعي وجمعيات. ويتم إلغاء المجتمع المدني الحقيقي لصالح هذا المجتمع المصطنع الذي تندمج معه السلطة على نحو أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه يبعث على الدهشة. ضعف في الخيال السياسي يؤدي لقلة الخيارات وبالتالي إلى غياب روح المغامرة والتركيز على أشكال تقليدية في الادارة كنشر الخوف وسياسة الالهاء.

وبالقدر الذي يتم محاصرة النقد؛ تكون أهمية هذا النقد ملحّة وضرورية، ذلك لأن النفق الذي ستقود إليه الأحادية؛ سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية أو عرقية؛ نفق مظلم. وما لم يكن هناك شعور بخطورة أن يكون هناك صوت واحد فقط هو المسموع بالمجتمع، فإن الجميع سيكون مهددا؛ إمام بالخروج من مسار التاريخ، أو بالعنف المنظّم، أو بالدخول في حروب ستقضي على الأخضر واليابس على غرار الأحاديّات النازية والفاشية والستالينية. الدولة نظام قانوني ونظام رمزي. القانون يظهر في الأحكام المعيارية المحددة للواجبات والحقوق، والرمزي يظهر في الذاكرة والأساطير والعواطف؛ الزي والشعار والعلم والثقافة. السلطة المستبدة ستصنع أو تكيّف القانون، وستحتكر الرمز، ولكن القانون والرمز هو ملك الناس. وإذا كانت السلطة/المؤسسة وارد بقوة أنها تنجح في منعهم من التأثير على القانون؛ فإنه ليس من السهل عليها أن تمنعهم من التفاعل مع الرمز على النحو الذي يحبون. الرمز حقل خصب للفاعلين الاجتماعيين ليلعبوا عليهم في توليد كافة أشكال النقد الممكنة؛ في عمل روائي أو أدبي أو في الشعر أو في المسرح أو في السينما. العمل في مساحة الرمز يعني الغوص عميقا في السلطة كما يعرضها فوكو؛ قاعدة جبل الجليد. بل إن أكثر أشكال اللاسلطوية (الكايوس) تولد من العمل على مساحات الرمز بالمجتمع، واللاسلطوية أصبحت اليوم فعالية نشطة بقوّة في مجتمعات ما بعد الحداثة، وأصبح لها برامج عمل؛ قد تبدو غريبة نوعا ما، ولكن تنجح في انتزاع الكثير من صلاحيات السلطة لصالح المجتمع المدني، برامج لا تحتاج إلى الخوف كوسيلة لضبط إيقاع الجماهير؛ تعزيز الهوامش، والاهتمام باللغات النادرة، والثقافات المهددة بالانقراض، أو ببقايا الثقافات التي اندثرت فعلا وإعادتها للحياة في أشكال متاحف وأعمال فنية مختلفة، والدفع بالمزيد من الأنشطة النسوية في المجتمع، والدفاع عن حقوق المثليين، أو الاعتراف بالأقليات الدينية والعرقية. اليوم حتى تجمعات محبي ألعاب الفيديو أو محبي الرياضات النادرة أو إحياء الألعاب الشعبية التي توشك على الاندثار أو نوادي الهاكرز؛ هذه تمثل أشكال من اللاسلطوية القادرة على أن تتحوّل إلى فعاليات تستطيع أن تنال الاعتراف. قد لا نحسن تجاوز الخوف، ولكن نستطيع أن نعمل في ظله.


الإحالات:

*المقالة من كتاب داخل العقل النقدي ص 284-297

[1] تودوروف، الحياة المشتركة، ترجمة منذر عياشي، المركز الثقافي العربي ومشروع كلمة 2009، ص١٢٣

[2] زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث 2016، ص٢٢٣

[3] Alexandre Kojeve, The Notion of Authority, Translate by Hajer Weslati, Verso 2014, p46

[4] Philosophy Now Issue 106, p44

[5] ميشيل فوكو، إرادة المعرفة، ترجمة مطاع صفدي، مركز الانماء القومي 1991، ص١٠٢

[6] السابق، ص١٠٤

[7] زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث 2016، ص٢٧

[8] السابق، ص٤٣

[9] السابق، ص٢٢٤