ديسمبر 1, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

الحدود القصوى للجسد: عشر رؤى سينمائية

محمد العجمي *

ما الذي يمكن تخيّله عند الحدود القصوى للجسد؟ أشياء كثيرة بالتأكيد؛ ولكن كلّها تقريبا ستكون زوايا يمتزج فيها الشعر بالفلسفة، والقالب النهائي سيكون تجربة بصرية مثيرة جدا. هذا ما توصّلت إليه بعد تجربتي مع الأفلام الواردة في هذا المقال. مراجعات هذه الأفلام كتبت على فترات متباعدة نسبيا. ولكنها جميعا كتبت بمزاج واحد؛ هو مزاج الدهشة التي توقظ أعمق مشاعر الإنسانية التي تكتشف عند الحدود القصوى للجسد.


علم النوم (2006) The Science of Sleep
اللغة: الفرنسية، الإنجليزية، الأسبانية
المخرج: ميشيل جوندري

كيف يمكن التفكير في الحياة كسقوط غير مريح من عالم مثالي إلى واقع يمكن أن يكون مريحا، ولكن يحتاج لقليل من اللامنطق والفانتازيا الطفولية لكي يكون مريحا؟ هذا يتطلب إعادة الأشياء إلى أصولها المثالية حيث تفقد هناك وظيفتها الحقيقية لتؤدي وظائف أخرى سينتج عنها هي الأخرى سقوط غير مريح للواقع لتستمر دورة الحياة بهذا الشكل. هو نوع من التلاقح بين الوعي واللاوعي عبر اكتشاف المنطق الخاص باللاوعي ومحاكاته في الواقع اليومي.

بطبيعة الحال ليس من السهل معرفة كيف يعمل اللاوعي، فتبقى القضية محاولة مقاربته بمختلف أشكال التأويل والمعالجة، وفي هذا الفيلم؛ ستكون السكتشات ولوحات السيناريو والرسومات وتماثيل الورق هي الطريقة التي يحاول عبرها المخرج ربط الواقع بعالم الأحلام.

الرسام صانع المشاهد السينمائية يضطر لمغادرة المكسيك بعد وفاة والده بالسرطان عائدا على فرنسا حيث شقة والدته القديمة، ليكتشف أن له جيران جدد عبارة عن فتاتين يقع بينه وبين إحداهما قصة حب تختلط فيها الفانتازيا بالأحلام والرموز السريالية الكثيرة. استخدام كل تلك الفانتازيا ليس لأجلها نفسها؛ بل لتحويل قصة الحب إلى واقع جديد يتم تدشينه بقبلة حقيقة وليست في الأحلام. ربما الفيلم يهتم بالطفولة التي تلاحق الشاب وهو في بدايات بحثه عن الحبيبة.

ميشيل جوندري وهو المخرج المستقل؛ دائما ما يبحث عن الأفكار الجديدة التي تحكي فلسفته الخاصة بالسينما، واهتماماته الفلسفية بالوعي والأحلام والدماغ والخداع في العلاقة مع الواقع انعكس على أفلامه بشكل جدي. وفي هذا الفيلم يختار بطله ستيفان ميروكس (جايل جارسيا برنال) الشاب الذي تختلط لديه أحلام اليقظة وخيالاته مع قدرته على التفاعل مع الواقع، ويحاول عبر هذا الشاب الذي يجد له وظيفة في شركة طباعة بباريس؛ أن يرسم لنا معالم وحدود منطق آخر مضاد للمنطق الواقعي اليومي.

ذاك المنطق الذي سيكون خاص باللاوعي في تشكّلاته التي تحاول الوصول إلى الواقع. البديهيات ونقائضها ستلتقي في هذا الفيلم، والزمن سيتخذ خطا حلزونيا بدلا عن التقدم التسلسلي. لهذا الفيلم يعج بالغرائبيات ويبدو عصيا على الفهم والمتابعة، وقصته هي الأخرى غير قابلة للسرد، ومؤثراته السحرية غالبا ما تكون مصنوعة ويدوية إذ لا يميل جوندري إلى المؤثرات الرقمية. وميوله هذه تلتقي مع نعوم تشومسكي الذي أجرى معه حوارا مطولا حوله إلى فيلم كارتوني بصوت تشومسكي نفسه في فيلم “هل الرجل الطويل سعيد؟”.


الرجل الفيل (1980) The Elephant Man
اللغة: الإنجليزية
المخرج: ديفيد لينش

فيلم يأخذك إلى الحدود البعيدة جدا للتمايز بين الجسد والشخصية، بحيث يمكن اختبار حجم ونوع المشاعر التي تطرق للشخصية المودعة في جسد مختلف كليا، وفي نفس الوقت تجربة مشاعر الآخرين تجاه هذا الكائن المنسحق ضمن تكسّر فضيع بين الجسد والشخصية.

جون ميريك (جون هرت) رجل انجليزي عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ويعاني منذ طفولته من تشوهات هائلة جدا في جمجمة الرأس وفي الوجه والظهر والأطراف؛ جعلته إنسانا ناقصا أقرب إلى البهيمية حيث يعرضه مالكه في السيرك ليجني من ورائه المال، وفي سن الواحد والعشرين يكتشفه طبيب جراح يعمل في مستشفى لندن هو فريدريك تريفس (أنتوني هوبكنز)، فيحضره إلى المستشفى ليعتني به، ومن هناك تشتهر قصته، ويبدأ بدعم من تريفس بالاختلاط بالنبلاء في المجتمع اللندني.

يمتزج التقزز مع الشفقة والدهشة من وداعة تلك الروح النبيلة والقابعة في ذلك الجسد المشوّه؛ لدى كل من يقترب من جون ميريك، بحيث ينتهي من كل ذلك إلى إحساس حقيقي بأن الجسد ليس سوى كومة غبار لا تعني شيئا أمام الروح التي تسكنه، والتي تعيد تعريف معايير الجمال لدى الآخرين. يطلب المخرج ديفيد لينش من المشاهدين أن يخترقوا الجسد وهم يشاهدون جون ميريك يتطيّب ويتزيّن قبل تلبية دعوة أميرة ويلز لحضور إحدى المسرحيات. لا بد أن هناك شيء لا يموت في الإنسان.

الفيلم الذي ترشح لثمانية جوائز أوسكار لم يفز بأي منها؛ ربما بسبب العاطفية الزائدة فيه، والتي منعت إلى حد ما فرصة أن تكون هناك معالجة أعمق لمسألة كرامة الإنسان. فالتركيز في الفيلم كان على الجسد المشوّه، وعلاقة الآخرين به وكيف يرونه. بعيدا عن الغوص في عمق علاقة جون ميريك بجسده. فباستثناء بعض الحوارات التي يكشف فيها جون عن حزنه بسبب تشوهاته وعلى عدم قدرته أن يكون سببا لسعادة أمه الجميلة التي يحمل صورتها أينما ذهب، فتظل العلاقة باهتة إلى حدا ما.

بعض العبارات في الفيلم تختصر الكثير من الفلسفة الكامنة وراءه. كعبارة جون ميريك التي قالها لطبيبه: “حياتي ممتلئة لأنني أعرف أني محبوب”، وعبارته: “البشر يرعبهم ما لا يفهمونه”، وعبارة والدته في آخر الفيلم: ” لن يموت شيء. النهر يجري والرياح تهب. السحاب يتراقص والقلب يدق. لن يموت شيء.”


إلكترا (1962) Electra
اللغة: اليونانية
المخرج: مايكل كاكويانيس

فيلم يلامس تلك الحدود التي تفصل الانتقام عن التقديس. الانتقام من الأم وتقديسها كتكفير عن قتلها. العبارة التي لخصت ذلك التناقض هي التي نطق بها أوريستس وهو يعلق على أخته إلكترا (إيرين باباس) التي تحاول إقناعه بقتل أمهما انتقاما لأبيهما المغدور بسببها؛ وهو يقول: “أقدارنا ملعونة”. كانت أخته إلكترا تقنعه بأن الآلهة هي التي تطلب ذلك، فيجيبها بأن الآلهة تقول كلاما فارغا، فترد عليه إلكترا: إذا كانت الآلهة على خطأ فإنه لا أحد سيكون على صواب.

كان معترضا على قتل أمه التي وهبته الحياة، ولكن حيرته بين الانتقام لأبيه ووضع حد لغطرسة أمه وبين كونها أمه؛ دفعه ليلقي تلك العبارة المسرفة في العدمية: أقدارنا ملعونة. بالنسبة له لا شيء تافه في تلك اللحظة أكثر من الحياة ذاتها بعد أن قتل من وهبته الحياة. تقديس الأم جاء هنا عبر لعن الحياة ولعن القدر ولعن كل شيء أدى إلى تلك التراجيديا التي دمرت العائلة الملكية. رغبة الانتقام كانت تزيح أي مشاعر ورغبات أخرى طيلة فترة وجود مصدر الألم، وما تم التخلص من هذا المصدر، بدأت مشاعر الحزن والشوق والحب للأم والعائلة تتدفق.
إبداع مخرج الفيلم كاكويانيس يكمن في الأفكار التصويرية التي اجترحها لتحويل هذه المسرحية الشعرية الإغريقية ليوربيديس إلى لغة بصرية تمزج الصور الشعرية بالتصوير السينمائي. وهو عمل ليس بالسهل إذا ما عرفنا أن المسرحية كتبت في القرن الخامس قبل الميلاد.

مشهد قتل الملك العائد منتصرا من طروادة أجاممنون على يد زوجته وعشيقها، ومشهد الرحيل الذي ذهبت فيه إلكترا مع زوجها الفلاح القروي بعد أن جزّت شعرها دلالة على دخولها في العبودية، ومشهد اللقاء الذي جمعها بأخيها أوريستس بعد سنوات الفراق الطويلة، ومشهد قتل إيجيسثوس عشيق والدة إلكترا، ومشهد قتل أوريستس لأمه كليتيمنسترا في كوخ إلكترا، كل هذه المشاهد تكشف عن النجاح المدهش لكاكويانيس في تحويل الأسطورة التي كتبت أصلا كمسرحية وظلت تمثل كمسرحية لأجيال طويلة، فجاء تحويلها إلى عمل سينمائي يتفادى التقنيات المسرحية؛ عملا مبهرا أضاف إلى رصيد المخرج في أفلامه المتعددة لتحويل الميثولوجيا الإغريقية إلى أعمال سينمائية، والتي منها زوربا الإغريقي، وإيفيجينيا، وفتاة طروادة.


أغرب من الخيال (2006) Stranger Than Fiction
اللغة: الإنجليزية
المخرج: مارك فورستر

فيلم عن المصير والقدر وهل نستطيع أن نؤثر فيه ونغيّره لصالح إثبات قدرة الذات على صنع مصيرها بعيدا عن كل الحتميات والأقدار المرسومة بالدقة. القدر هنا سيكون هو مجموع التفاصيل المحيطة بنا وتؤثر في مساراتنا بتأثيرات طفيفة، ولكنها عندما تجتمع معا تصنع ذلك الذي نسميه مصيرا. وصنع المصير يكون بالالتفات إلى تلك التفاصيل التي قد ننظر إليها أنها تافهة، عبر ملاحظتها ومحاولة التحكم فيها وتوجيهها في المسار الذي يحقق الذات. فيلم يعكس الصراع المستمر داخل الإنسان فيم إذا كان هو مسير أم مخير، والذكاء الذي في الفيلم أنه يكشف أن الإنسان هو الذي يجعل نفسه مسيرا أو مخيرا، وذلك عبر تردده في اختبار حريته.

يعالج الفيلم كذلك مفهوم الهوية من خلال تناوله للإرادة الحرة؛ فالإنسان يظل بلا هوية واضحة ما لم يتمرّد على القدر ويصنع مصيره بنفسه. قصة الفيلم تدور حول شخصية هارولد كريك (ويل فيريل) الذي يكتشف فجأة أنه خاضع لسلطان صوت يحدثه ويرسم له مساره، ليكتشف أنه واقع في حبكة قصة تكتبها روائية ما تزال في حيرة كيف تنهي القصة، ورغم أنها كانت تريد أن تنهي حياة بطلها، ولكن ما إن تكتشف أن بطل قصتها مرتبط بمصير رجل حقيقي يرفض القدر الذي ترسمه له؛ فتقرر أن تغيّر النهاية المأساوية.

هارولد كريك يعمل كعميل لوكالة تحصيل الضرائب، وتسير حياته بشكل دقيق وبرتابة يومية لا تغيرها أية مفاجآت أو مغامرات. حتى يصحو ذات يوم ليسمع صوت امرأة تتحدث داخل رأسه وتحكي تماما كل ما سيقع عليه، حيث تسرد أحداث رواية تكتبها ويتحوّل هو إلى بطل هذه الرواية. يحاول هارولد أن يتمرّد على هذا الصوت، فيراجع البروفيسور جول هيلبرت (دوستن هوفمان) الأستاذ المتخصص في الأدب. يكتشف هارولد بمساعدة جول أن الكاتبة التي تتحدث في رأسه وتصنع بالتالي مصيره عبر رواية تراجيدية ستنتهي بموته، هي كارين إيفل (إيما ثومبسون)، فيبدأ في البحث عنها والاتصال بها إلى ينجح في ذلك. تضطر الكاتبة أن تغير مسار روايتها حتى لا تنهي حياة بطلها الذي أصبح مرتبطا بمصير رجل على أرض الواقع.

هذه القصة الذكية التي كتبها زاك هيلم؛ تبدو أكثر عمقا من مجرد التسلية والانجذاب التي تصنعه لدى المشاهد، وقد نجح مارك فورستر في تحويلها إلى نوع من السريالية الوجودية التي تحفز الإنسان على أن يطرح الأسئلة على نفسه وأن تتغير أسئلته في كل مرة، وأن يتحرك وراء تلك الأسئلة التي سيعرف من خلالها موقعه في الوجود، وبالتالي إلى أين يجب أن يتجه ليمارس هذه الحياة؟ وأي قرارات أخلاقية يجب أن يتخذها وهو يقارب بين حريته وحريات الآخرين. عزّز ذلك الأداء المذهل لإيما ثومبسون، والكوميديا الصامتة جدا لويل فيريل.


الفتاة المقدسة (2004) The Holy Girl
اللغة: الإسبانية
المخرج: لوكريسيا مارتل

فيلم يكشف عن ربكة الجسد في مزيج الدين والمجتمع عندما يبدأ وعي الإنسان في مراهقته بحاجاته الجنسية. يلاحق الفيلم مشاعر وأحاسيس الفتاة أماليا (ماريا ألشي) المراهقة ذات الستة عشر ربيعا تجاه الطبيب جانو (كارلوس بيللوسو) الذي هو في عمر أمها ويدخل في علاقة مرتبكة هي الأخرى مع الأم هيلينا (ميرسيدس موران). حديث حول نوازع الجسد والدين، والتردد وتقطّع المزاج في مجتمع كاثوليكي محافظ بإحدى مدن الأرجنتين. تحاول المخرجة لوكريسيا مارتل عبر تركيزها على لغة المشاعر التي لا يعبر عنها؛ أن تصنع جوا للمشاهد يستكشف فيه تركيبة ونمو الشخصية لدى المراهقات عبر المشاعر المتناقضة بين كبح وإشباع الرغبات.

الحوارات في الفيلم بعيدة كل البعد عن فكرة الفيلم نفسه، فيمكن القول إن المخرجة الأرجنتينية تحاول أن تجعل لغة المشاعر هي ما يجب أن يركز عليه المشاهد، وهي تقنية ذكية لفهم حاجات الجسد واستكشافه. الاهتمام بالشَعر والهمسات الخفيفة في الأذن والشائعات الجنسية والاحتكاك والتحرّش؛ كل ذلك أشكال وظفتها المخرجة لتعكس تلك اللغة البعيدة غير المنطوقة لحاجات المراهق. قصة الفيلم تدور حول مؤتمر طبي يعقد في فندق تملكه عائلة، في نفس الوقت الذي تعقد في أحد جنباته دروس للروحانية الكاثوليكية تحضرها أماليا مع صديقاتها. والدة أماليا وهي امرأة مطلقة ما تزال تحافظ على جاذبيتها تكون مشغولة بالمؤتمر الطبي ومجاملات الأطباء في نفس الوقت الذي لا تلتفت إلى صراع ابنتها بين دروسها المسيحية ورغباتها.

يكشف الفيلم أيضا عن ذكاء المخرجة لوكريسيا مارتل التي حرصت منذ بداية الفيلم ألا تجعل كل شيء واضحا ومفهوما للمشاهد، فيظل طوال الفيلم يحاول أن يفهم ما يجري وماذا تريد المخرجة أن تقول، ولا يستطيع إلا أن ينتظر غير قادر على وضع احتمالات لسير الأحداث بالفيلم ولا رسم نهاية معينة له. كل ذلك جاء عبر إخفاء القصة الحقيقية للفيلم في الحوارات. وأيضا عبر الصمت المربك والمستمر لشخصيات الفيلم، فالفيلم عن الرغبات الكامنة التي لا يسمح ظرف المؤتمر الطبي أن يتم الكشف عنها. وهذا يعني أن على المشاهد أن يرسم صورته الخاصة عن الشخصيات وطبائعها ورغباتها.

الموقع الذي أعطته المخرجة للدين في الفيلم لا يقل غرابة عن مشاعر أماليا تجاه الطبيب جانو، فأماليا التي تحضر الدروس الدينية يوم الأحد، ربطت رغبتها الجنسية المتفتحة برغبة الطبيب، كما لو أن الله أرسلها لإنقاذ الطبيب من شهوته التي ستدمّره. وظلت تفسّر صدود الطبيب عنها وإهماله لها بالتردد الذي يجعله غير قادر على الاتزان، وبالتالي يجب أن تبادر هي حتى يتخلص من قلقه. الإبداع في الفيلم يكمن في التصوير والفنيّات التي اتبعتها مارتل في تصوير المشاعر الكامنة عبر الزوايا المائلة والأبواب المفتوحة إلى النصف والتصوير من الخلف ومن الجانب، مع لقطات هادئة وانتقالات ناعمة بين المشاهد في ظل موسيقى تصويرية خفيفة تضفي على المشهد الغموض الذي يليق به.


درسو أوزالا (1975) Dersu Uzala
اللغة: الروسية
المخرج: أكيرا كوروساوا

الفيلم الأول لأكيرا كوراساوا بغير اللغة اليابانية، وهو فيلم من الحقبة السوفيتية يعالج الحدود بين الحداثة التي تجلبها الحضارة وبين البداوة التي ما تزال ملتصقة بالطبيعة والغابات. فيلم تجري أحداثه في الشرق الروسي الأقصى في بدايات القرن العشرين حيث تعمل بعثة روسية على تنفيذ مسح طوبوغرافي للمنطقة المحيطة بإحدى البحيرات، تتم على مرحلتين هما قسما الفيلم. الأولى في 1902 في الشتاء، والثاني في 1907 بالصيف، ويحاول أكيرا أن يرسم ظلال العلاقة بين الحضارة والغابات سواء بالشتاء أو بالصيف. يتم ذلك عبر الكابتن أرسينيف (سولومن يوري) قائد البعثة الاستكشافية وكاتب المذكرات التي حولها كوروساوا إلى فيلم، ودرسو أوزالا (مكسيم مونزوك) وهو أحد السكان الأصليين في تلك المنطقة؛ الكابتن ابن المدينة والحضارة ودرسو ابن الغابات والطبيعية والمتجول.

يوافق درسو ان يلعب دور المرشد للبعثة في تلك المنطقة، ومن خلال الاحتكاك بينه وبين أفراد البعثة؛ يرسم كوروساوا ظلاله التي تفصل بين المدينة والغابة. يكشف الفيلم عن ذلك الجانب المختفي من الإنسان بسبب المدينة وهو روح الطبيعة التي تسري فيه؛ فيجعل للأشياء أرواح تسمعه وتحدثه، فالنار تغضب والماء يغضب والريح كذلك. والدب والنمر يستمعان للحديث. يكشف الفيلم كذلك عن تسلل الطبيعة إلى الإنسان فتجعله يحمل روحها الجوّالة والمحافظة والمغامرة في نفس الوقت، ويصبح الدين تجربة تأملية ذات مفعول سحري على الإنسان بسبب قلّة الأدوات والأشياء التي يمتلكها وتأخذه من فرص الاستماع للأصوات المتعالية التي تصدرها الطبيعة.

نجح كوراساوا في رسم تأثير الروح القوية المستمدة من الطبيعة لدى درسو على الأرواح السطحية والهلامية لدى أعضاء البعثة الاستكشافية، فكان درسو أوزالا هو الأكثر صمتا في ظل ثرثرة وقهقهة الأعضاء، ولكنه إذا تكلم فهو الذي يفرض رؤيته للأشياء، فيضطر البقية إلى إعادة النظر لما حولهم ومحاولة اكتشافه من جديد في ظل ما يستمدونه من درسو من حكمة وبعد نظر. العلاقة الحميمة التي نشأت بين درسو وبين أرسينيف كانت محورا مهما لدى كوروساوا ، فحرص على أن يعكسها في صورة مشرقة وإبداعية، وخصوصا في المشهد الذي تاه فيه الاثنان ولم يتمكنوا من الإهتداء لطريق العودة حتى اقترب منهم الليل الذي يعني الموت والتجمد من البرد، فكان على الاثنين أن يجمعوا ما يستطيعون من الحشائش ليبنوا لهم كوخا يوفر لهم الدفء حتى الصباح.

كذلك المشهد الذي بدأ فيه درسو يلاحظ تأثير الزمن عليه وضعف نظره عن استخدام البندقية والخوف من الغابة والذي أخذ يتسلل إليه كلما تقدم به العمر، وهنا تزداد عناية أرسينيف بصديقه المسن.، حيث يقترح عليه أن يأخذه معه إلى المدينة، فيوافقه درسو على مضض. لا يستطيع درسو أن يبقى طويلا في المدينة حيث لم يعتد العيش فيها، فيطلب من الكابتن في آخر الفيلم أن يأذن له بالعودة إلى الغابة حيث سيموت هناك بعد أن يعترض طريقه بعض اللصوص، فيقتلونه ويسرقون بندقيته. فيلم عن الروحانية بامتياز، وكيف يخطئ الإنسان طلب تلك الروحانية بسبب التقنية والأغلفة الكثيرة التي يحيط بها نفسه، ولا يحتاج لتجاوز ذلك والوصول إلى لب الروح سوى الاقتراب من الطبيعة حيث تكتسب الأشياء وجودها من ذاتيتها التي لم تستمدها من تحويلات البشر وتدخلاتهم.


قناع (1966) Persona
اللغة: السويدية
المخرج: إنغمار بيرغمان

يعالج فيلم بيرسونا لإنغمار بيرغمان ذلك الجانب المضمر الذي يداريه الإنسان وهو يضع نفسه أمام الآخر، وهو تكوين وتأثير هذا الآخر عليه وما يسهم به في تعريف ذاته ككائن يظن نفسه مستقلا. فيلم عن الرغبة التي تجعل الفرد في اشتياق دائم لمكان الآخر وموقعه، وفي نفس الوقت إنكار هذه الرغبة ورفضها، وبهذا الإنكار نفسه هو يتلبّس هذا الآخر. فيلم سيكولوجي وفلسفي بامتياز يحاول بيرغمان من خلاله الغوص إلى أعمق نقطة ممكنة في النفس البشرية لاستقراء الصلات الممكنة بين اللاوعي الكامن والعقل الخارجي الذي يظن أنه يسيطر على الأمور.

يمكن أن نُقسّم الفيلم إلى مرحلتين: مرحلة القناع ومرحلة ما بعد القناع، والتي يفصل بينهما مشهد من أعقد ما قدمته السينما من تقنيات بصرية؛ وهو مشهد انقسام الشاشة إلى نصفين تليها احتراق الفيلم، لتبدأ مرحلة ما بعد القناع، حيث يصبح اللاوعي هو الذي يسير الأحداث بدلا عن العقل الواعي.

تتحدث قصة الفيلم عن إليزابيث فوغلر (ليف أولمان) الممثلة المشهورة التي تصاب بصدمة أثناء تأديتها إحدى المسرحيات، فتتوقف عن الكلام نهائيا وتدخل بذلك إلى عيادة نفسية حيث يتم تعيين الممرضة الشابة ألما (بيبي أندرسون) للعناية بها. تنتقل المرأتان إلى شاليه بحري يعود للسيد فوغلر؛ حيث ستبقيان فيه لفترة من أجل العلاج إلى أن تتحسن حالة إليزابيث. تستمر الممثلة في صمتها الغريب، وتستمر ألما هي التي تتحدث فتكشف عن مغامراتها العاطفية وعن عاداتها ورغباتها وما تحبه وما لا تحبه، كل ذلك على أمل أن تستجيب إليزابيث لها فتنبسط لها وتبدأ في الكلام شيئا فشيئا. وفي نفس الوقت تقوم ألما بتوصيل رسائلها إلى بريد المدينة، وتكتشف بالصدفة عندما قرأت إحدى رسائل مريضتها؛ أنها كانت تحلل شخصيتها وتتكلم عن أسرارها وعن عفويتها بطريقة استفزتها، لتبدأ مرحلة التغير تجاه الممثلة التي ستتهمها بأنها تمثّل صمتها لاستدرار العطف ولفت الانتباه، وتحاول إيذائها جسديا ولفظيا.

تكتشف ألما انها كانت هي الأضعف، وأن إليزابيث الصامتة أقوى منها، فتنهار أمامها لتصبح أضعف من أن تكون ذاتا مستقلة قادرة على الصمود أمام شخصية إليزابيث التي تستمد قوتها من غموضها. تكتشف ألما أنها أصبحت عارية تماما أمام كائن لا تعرف عنه شيء فتتحول إلى العدائية لتعويض ذلك النقص الفظيع للذات الذي اكتشفته. وهنا يأخذنا بيرغمان في مرحلة ما بعد القناع، حيث تتوقف كل من الممرضة والمريضة عن تمثيل هذه الأدوار، وتبدأ المرأتان في تداخل عجيب بينهما عبّر عنه بيرغمان من خلال تقنيات بصرية مختلفة، كالتداخل بين الوجهين والمسح على الشعر والتلاشي في الضوء الأبيض، والمشهد الذي دخل فيه زوج إليزابيث على الخط ليقبل ألما بصفتها زوجته إليزابيث في حين الزوجة تكون على مقربة منهما.

كل هذه المشاهد تعبّر عن تطوّر العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين بالفيلم لتصبح أكثر اندماجا بعد أن انكشف القناع فأصبحت المسافة المصطنعة في السابق لا محل لها في ظل التفاصيل التي يحتفظ بها كل طرف عن الآخر. كما لو أن هذا الآخر أصبح جزءا من الذات، فالمنطق الخاص باللاوعي لا يدرك الحدود الفاصلة بين ما هو أنا وما هو ليس أنا، فكل شيء هو أنا ولا أنا في نفس الوقت.

يمكن أيضا ملامسة جوانب أخرى في فيلم برسونا تتعلّق ليس بالإبداع التصويري لتعقيدات سيكولوجيا العلاقات البشرية فحسب؛ بل بالعلاقة بين الكلام والصمت، وبالصمت الذي يعبّر عن الحقيقة أكثر من الكلام، وبالتموجات المتداخلة داخل كل شخصية بينها وبين الآخر. استخدم بيرغمان أيضا لقطات للراهب البوذي الفيتنامي تتش كوان دك الذي أحرق نفسه حتى الموت في 1963 احتجاجا على قمع البوذيين في فيتنام الجنوبية، واستعان كذلك بصورة شهيرة التقطت خلال قمع النازيين لانتفاضة اليهود في وارسو 1943 والتي تعرض مدنيين بينهم أطفال يرفعون أيديهم ذعرا أمام بنادق الجنود.

يمكن أن نعزي استعمال بيرغمان لهذه المشاهد لتبرير الألم الذي دفع بإليزابيث للصمت. استخدم بيرغمان أيضا مشهد حكاية ألما لقصة طفل إليزابيث وإعادته مرتين: مرة والكاميرا مسلّطة على إليزابيث، والثانية والكاميرا مسلطة على ألما، ولعل بيرغمان عن طريق ذلك يحاول أن يرسم شكلا آخر للاندماج بين الشخصيتين. فيلم لا تكفيه كلمة رائع ولا يكفيه التقييم 10 من 10، فهناك الكثير مما يمكن قوله عن كل لقطة من لقطاته.


أرض أخرى (2011) Another Earth
اللغة: الإنجليزية
المخرج: مايك كاهيل

فيلم يلامس ذلك الحطام المتبقي في الروح بعد صدمة بحجم التسبب في القضاء على حياة عائلة بأحلامهم وذكرياتهم، وماذا يتبقى من الإنسان بعد فقدانه لمبررات الحياة. لا شيء سوى حياة بلا معنى. وهي بالتأكيد حياة شبيهة بالحياة السابقة، ولكنها سيوازيها في المخيلة حياة أفضل مكتملة المعنى أو تكاد، بحيث لو واجهت نفسك في تلك الحياة وأرادت تلك النسخة الموازية لك أن تسألك سؤالا؛ فسوف تعود نسختك للانطلاق من ذلك الحطام المتبقي منك لتقول لك: “حظا أوفر في المرة القادمة يا صديقي”. وهذا تحديدا ما قالته رودا وليمز (بريت مارلنغ) لجون بوروز (وليم مابوذر) وهما يتحاوران حول الأخبار عن نجاح التجارب في الاتصال بنسخة ثانية من الأرض تقترب من أرضنا الأصلية.

فيلم يصنف ضمن الخيال العلمي، ولكن فكرته أبعد ما تكون عن الخيال العلمي، إذ يستخدم فكرة التشابك الكمي الفيزيائية في معالجة صورة الإنسان لذاته وتمنيه الدائم لرجوع الزمان لإصلاح أخطائه الفادحة التي جلبت التعاسة له ولآخرين. قصة الفيلم تبدأ من الحادث التي تتسبب فيه الفتاة القاصرة رودا وليمز والذي بسببه تنهي حياة أم وابنها وتدخل أبيه في حالة غيبوبة. بعد أربع سنوات تخرج من الحبس وتحاول الاتصال بالأب لتعتذر، ولكن تضعف في اللحظة الأخيرة فتخبره أنها تعمل في شركة لتنظيف المنازل والمباني، فتبدأ في التردد عليه في الأسبوع مرة. ومن ثم تدريجيا تتولد بينهما عاطفة حب بالرغم من فارق السن الكبير. كل ذلك يتم في ظل اهتمام بالأرض الثانية التي أصبحت أقرب ويستطيع الإنسان الوصول إليها.

فيلم عن الندم، والاعتذار، والعزلة، والتأمل، ومراجعة الذات، وإعادة بناء الروح. جون بوروز الذي يستفيق بعد عشرين يوما من الغيبوبة ليعرف أن زوجته الحامل وطفله قد ماتا، فيستقيل من وظيفته كأستاذ بكلية للموسيقى، ويعتزل الواقع ليعيش حياة رثة محطما بلا معنى، وغير قادر على استعادة روحه التي غادرت مع أسرته. لم يلتق جون برودا التي دخلت السجن، لهذا لم يتعرف عليها عندما زارته بعد خروجها من السجن. رودا هي الأخرى لم تستطع أن تستأنف حياتها السابقة، فتبدأ تعمل لدى جون كعاملة تنظيف. يكتشف جون لاحقا أنها لم تكن تصرف الشيكات التي يعطيها إياها، فهي تعمل بدون مقابل، فتضطر أن تعترف له.

على الأرجح أن المشاهد لن ينتبه إلى الأخطاء العلمية بالفيلم، لأن الفيلم لا يعتني بالقوانين الفيزيائية في فكرة الأرض الثانية، والمشاهد سيعلم أن الحوارات والموسيقى الخلفية والمشاعر المتبادلة هي ما يريد المخرج أن يوصله. الأرض الثانية هي نسخة من الأرض الحقيقية ولدى كل إنسان نسخة منه على تلك الأرض. ويُكتشف لاحقا في الفيلم أن الزمن على الأرض الأصلية متقدم على الجديدة بأربع سنوات، ما يعني أن جون بوروز يمكن أن يشاهد عائلته من جديد في تلك الأرض. ولكن المخرج مايك كاهيل حرص على ألا يجعل نهاية فيلمه ميلودرامية؛ بل جعلها مفتوحة إذ أن معالجته الرئيسية للفيلم تتركز حول الفقد والاستبطان والكآبة والفضول.


يوميات كاهن البلدة (1951) Diary of a Country Priest
اللغة: الفرنسية
المخرج: روبرت بريسون

ينتمي الفيلم إلى عائلة الأفلام الكاثوليكية، وربما أحد أهم أيقوناتها، حتى على الرغم من لادينية روبرت بريسون مخرج الفيلم؛ والتي أعطت الفيلم نوعا من وجودية كيركغارد المؤمنة؛ حيث الإيمان محاولة للتحكم بالمصير. فيلم يعانق تلك الروح القلقة التي تحاول شق طريقها في ظل قسوة المجتمع، وفي ظل انهمام وانشغال بإيجاد منطقة آمنة وسطى بين الداخل والخارج. الداخل المضطرب الباحث عن السلام والخارج المحبط والقاسي. فيلم عن الروح التي تطيل التحديق على العالم وتريد أن تجعله أفضل في نفس الوقت الذي تحاول فيه أن تقترب من مركب (الحقيقة، الحب، المسيح الرب)، فتقع في الصدمات باستمرار بسبب رفض العالم لتأثير تلك الروح عليه.

تبدأ القصة مع القس الشاب (كلود لايدو) الذي يتم تعيينه قسا على أبرشية أمبريكورت بشمال فرنسا، وهي قرية صعبة من حيث سكانها الذين لم يتقبلوا هذا القس ورفضوا الاستجابة لإرشاداته وعظاته، بل ويروجون الأكاذيب عليه ويهينونه أحيانا. وفي نفس الوقت؛ كان المسؤولون عنه يلومونه في كل إجراءاته ومواقفه، وهو لا يحاول أن يدافع عن نفسه لأسباب متصلة بتشويش مرافعاته عن نفسه على الزهد والتقشف والسلام الذي يتوق إليه. يعيش هذ القس المخلص لوظيفته حياة الزهد، ويعاني من ألم شديد في المعدة تشخص لاحقا كسرطان مميت. ومع كل هذا البؤس والشقاء؛ فلا يبدو القس إلا أكثر سلاما وقربا من الخلاص المسيحي الذي يمثله الوصول إلى الحب المطلق لحظة الموت، إنه دور المؤمن الحقيقي في مواجهة المجتمع القاسي.

إبداع روبرت بريسون في الفيلم منقطع النظير؛ ما جعل هذا الفيلم علامة بارزة في السينما الفرنسية، كونه يدشن لنمط جديد من الأفلام الروحانية لما بعد الحرب. ولعل اختياره للممثل المغمور كلوديه لايدو أضاف نجاحا مهما للفيلم. حيث أتقن لايدو دور القس إلى أبعد الحدود، بل يُصنف أداؤه كواحد من أفضل الأدوار عبر تاريخ السينما الفرنسية، إذ لا يكاد المشاهد يشعر بأي فاصلة بين الممثل وبين الشخصية التي يقوم بأدائها. وهي شخصية يجب أن يجتمع فيها لهفة الخلاص والجسد العليل والصدمة بالواقع والإخلاص في خدمة الكنيسة، وقد أتقن لايدو كل ذلك.

يركّز المخرج من خلال شخصية القس على تقديم نموذج لفلسفة خاصة عن التعافي من لحظة السقوط، وذلك بالكشف عن قدرة أفكار الإنسان على إنقاذه في اللحظات الحرجة؛ إلى أي مدى كانت أفكاره منسجمة وتعكس الواقع كما هو؟ بحيث حتى الصدمات يكتشف في الأخير أنها جزء ضامر ومخفي من وعيه بالواقع. كتابة المذكرات والتركيز عليها عبر تكرار مشهد كتابة القس للأحداث المهمة التي يحاول فهمها أو يصطدم بها؛ هذه الكتابة مثّلت شكلا تعبيريا آخر للمخرج يعكس الاعتصار الداخلي للقس لبناء أكثر التصورات والأفكار عن الواقع صحة. كما لو أنه الحصاد اليومي الذي يسجّله القس بنهاية كل حدث، فلا تكتمل الصورة النهائية إلا بعد قراءة كامل السلسلة من التسجيلات بالمذكرة.


اللعنة (1988) Damnation
اللغة: الهنغارية
المخرج: بيلا تار

فيلم اللعنة هو الفيلم الذي صنع بيلا تار انطلاقا منه الثيمة الخاصة به كمخرج من طراز أنطونيو وتاركوفسكي، حيث استمرت أفلامه بعد ذلك تسير على نفس السوداوية والكآبة والحركة البطيئة واللقطات الطويلة. وبالرغم من بساطة القصة التي يمكن اختصارها في بضعة دقائق، ولكن لأن بيلا تار يرفض القصص السعيدة والمكتملة، كما عبر عن ذلك في أحد الحوارات القليلة في هذا الفيلم عندما كان كارر (ميكلوس شيكلي) يحاول إقناع سبستيان زوج المغنية التي يحبها بأن يقبل عرضا بمهمة تهريب، فكان يخبره بأن القصص كلها تنتهي بنهايات سيئة محطمة؛ لهذا بيلا تار يضيف الكثير من التفاصيل التي تطيل القصة حتى تصبح مملة مثيرة للبؤس والاكتئاب في الفيلم.

وهذا هو شأن هذا الفيلم الذي حرص بيلا تار فيه على خلق سينما خاصة بالدمار والنهايات التعيسة والبؤس والكآبة والحطام واللامعنى المدمر. لقطات طويلة تمتد لدقائق وتصوير بطيء جدا مع تركيز على عناصر في المشهد تثير الخمول والحزن واليأس؛ كالكلاب الضالة والنفايات المقلوبة والمطر المستمر وصوت المصنع الذي لا يتوقف ووقع الخطوات وماء المطر المنساب على النوافذ والجدران والوجوه الجافة التي لا تحمل أية مشاعر. لقطات أخرى في الفيلم ساهمت في جعله أيقونة في سينما الحطام واللامعنى؛ كالرضيع غير القادر على التقاط ثدي أمه، والعملية الجنسية الخالية من أية مشاعر وشغف، والأغنية اليائسة بالبار الرث، والرقص العبثي فوق تجمعات المطر، ومشهد النباح في وجه الكلب، واللون الأبيض والأسود، والإضاءة الصانعة للظلال الشبحية، وزوايا التصوير البعيدة جدا أو القريبة جدا، والصمت الرهيب للبشر في الفيلم.

فيلم نجح فيه بيلا تار وباقتدار عجيب على صنع حالة وجدانية من انعدام الهدف والغاية. محاولات كارر؛ الرجل الهنغاري اليائس؛ في البحث عن الخلاص عبر الحب، تنتهي بالفشل دائما حيث في كل مرة ترفضه المرأة المتزوجة أصلا. فيلم ليس للجميع، فالمشاهد لا يلبث إلا أن يكره الفيلم أو يندمج فيه طلبا للاكتئاب من الحياة ورفضا لكل الترتيبات والخطط المعدة مسبقا للإنسان. فيلم عن الجمود والتصلب في المشاعر والحياة، وعن السخرية من الأمل، وعن نهاية الحياة وانقطاع الحلول.

الفيلم يعكس شكل الحياة في قرية هنغارية مقفرة ومتهالكة، عبر تسليط الضوء على حياة رجل يائس وعربيد يحوم حول مغنية متزوجة على أمل أن تحبه، فيحاول أن يتخلص من زوجها لبضعة أيام حتى يصفو له الجو لإقناع زوجته بحبه لها، ولكن تمضي تلك الأيام دون أن ينجح في خطته، فتعود الزوجة لترقص بحميمية مع زوجها ومع آخرين في بار تايتانيك بالقرية.

الفوضى التي تملأ الخلفيات التصويرية بالقرية كما ينقلها لنا المخرج؛ تصنع بورتيه خاص بالعالم وعن أنفسنا في نفس الوقت، ككيانات مضطرة أن تمارس الحياة حيث لا يوجد بديل عن ذلك. كما لو أن المخرج يريد من متابعيه أن يعيدوا تعريف معايير الجمال لديهم بحيث يشمل هذه المرة الحطام والإحباط والتعايش مع القليل، والتأقلم مع الظروف الناقصة والقصص المبتورة والفشل. فيلم يكمن الإبداع فيه في التصوير وليس في الحوارات، في الخلفيات الصوتية وليس في الوقائع والأحداث.