ديسمبر 1, 2021

براكسيس رمادي

حيث الفكرة الحرة تقود التغيير

عشر زوايا سينمائية لرؤية المعنى

ماذا يعني أن يكون الواحد إنسانا؟ وما هو هذا المحتوى الذي يُسمى إنسان؟ إنه بلا شك شيء غامض غموض الإله نفسه خالق الإنسان. وليس أعمق من السينما ما يستطيع اختراق هذا الغموض لاكتشاف الإنسان، ولكن هذه المرة كلوحات تتراوح بين التناقضات التي لا تنتهي في هذا الإنسان. وما ستقدمه السينما هنا ليس لغة مكتوبة تشرح وتفصل وتنظّر وتصف ماهية الإنسان؛ بل مجموعة مقاربات وجدانية يبقى أثرها في الروح، ونتلمسها في اللحظات الفارقة التي يستطيع الواحد منا أن يتفلّت من قبضة الواقع ليشاهد ذاته راكنة في زاوية ما من زوايا الوجود بتفاصيلها التي على الأرجح ستكون مدهشة. مدهشة بقسوتها وطيبتها، بعنفوانها وخمولها، بعمقها وسطحيّتها، بالطبقات الكثيفة التي ألبسها وما يزال يلبسها الواقعُ بتعقيداته الكثيرة.

هنا أعرض عشرة زوايا من عشرة أفلام تركت أثرا ما في داخلي. كلٌّ منها يتحدث عن شيء ما في هذا الإنسان؛ الكائن العجيب الذي لم يَعرف؛ ولن يعرف؛ من هو وما هو وأين هو وإلى أين يسير. هذه الأفلام شاهدتها على فترات متباعدة، وأجمع هنا ما كتبته عنها وأتذكره حولها. في هذه الأفلام تجتمع السخرية والألم والشفقة والحب والولادة والموت والمصير في كوكتيل فلسفي عميق جدا؛ أتوقع أن يجعل الإنسان أكثر قدرة على تحسس الروح التي فيه وتشكل كينونته الممثلة للمعنى الذي يبحث عنه أو يُفترض أن يبحث عنه.

الساعات (2002)

مشاهدة فيرجينيا وولف (نيكول كيدمان) وهي تملئ جيوب ثوبها للنوم بالحجارة الثقيلة قبل أن تغوص في النهر منهية حياتها بعد أن تركت رسالة عاطفية جدا لزوجها؛ وفي بداية فيلم سينمائي؛ يرسم افتتاحية لا تلبث أن تظل تلاحق المشاهد طوال الفيلم عن العلاقة بين الحرية والموت. نحن أحرار كي نموت؛ ولكن هل نحن أحرار كي نكسر قلوب أقرب الناس إلينا؟ نفس قرار الانتحار حاولت لورا براون (جوليان مور) أن تتخذه في منتصف الفيلم ولكن تتراجع عنه تحت وطأة صورة طفلها الذي كان يصرخ يناديها من نافذة بيت إحدى المربيات، وهذه الصورة هي التي ستتحول إلى أكثر اللحظات رعبا في حياة ريتشارد براون (إد هاريس) الطفل الذي سيكبر ويصاب بالإيدز ليتخذ قرار الإنتحار في آخر الفيلم وأمام أقرب البشر إليه؛ كلاريسا فاوغان (ميريل ستريب). ثلاث قصص انتحار في حياة ثلاث سيدات؛ كلها تتناول لحظات الصراع بين إرادة الحياة وتحقيق الذات وبين الضغوطات التي يصنعها المرض. فالسيدة الأولى؛ وهي كاتبة؛ مصابة بحالة عقلية يجعلها تحت مراقبة زوجها حتى لا تقتل نفسها، والسيدة الثانية مصابة باكتئاب نفسي حاد؛ والسيدة الثالثة تعتني بحبيبها القديم المصاب بمستوى متقدم من توابع مرض الإيدز.

الفيلم الذي أخرجه البريطاني ستيفان دالدري عن رواية لاقت نجاحا كبيرا عندما نشرها مايكل كاننجهام في 1998؛ الفيلم يلاحق رغبات الذات المعبرة عن حريتها في أوقات المرض؛ إما أن يكون الشخص نفسه هو المريض، أو أن يكون في حياته شخص عزيز جدا ومريض في نفس الوقت. هنا تكون الحيرة هي الشكل العام للحياة الذي يطرد أغلب التفاصيل باستثناء الرغبة التي لا تتحقق وبالتالي تتحول إلى خنجر في الروح. اختار الراوي الرغبة الشاذة لدى هذه السيدات في أن تتعلق بسيدة مثلها؛ ولكنها لا تستطيع أن تحقق هذه الرغبة. كلاريسا هي التي حققت هذه الرغبة حيث تعيش مع سيدة مثلها وقد أنجبت فتاة عن طريق التلقيح من حيوان منوي من متبرع غير معروف. الفيلم يتحدث عن يوم واحد في حياة السيدات الثلاث اللاتي تعيش كل واحدة منها في فترات مختلفة؛ كل واحدة منها تستعد لحفلة عائلية، ولكن لأن الذات غير متحققة فلا يعود للحفلة أي معنى، لهذا لن نشاهد أية حفلة. في فيلم الساعات تتحول الحياة إلى مجموعة انتكاسات تخفي معنى الإنسان وراء كومة من الغيريات التي لا مفر منها كونها تفاعلات تترجم ما نسميه الحياة. تلك المشاعر التي أما أن نضطر ندوس عليها لأنها لا يفترض أن تهم أحدا، أو نحولها إلى خناجر تمزق ما تبقى من العمر.

أغاني من الطابق الثاني (2000)

في فيلمه أغاني من الطابق الثاني (2000)؛ يسخر روي أندرسون من الإنسان بشكل مذهل ويجعله كائنا مثيرا للشفقة بما يرتكبه من حماقات بسبب اعتقاده أنه يفهم الحياة؛ وبالتالي يحاول أن يسيطر عليها، ولكنه في كل مرة يكتشف أن مشاريعه تفشل. فيظل مهزوما في الحياة. يعالج أندرسون ذلك عبر لوحات أشبه بقصص قصيرة مجموعة في مشهد شاعري واحد. زحمة خانقة تسير ببطء شديد، وممثلي سيرك يرتكبان خدعة تنتهي بمأساة، وصاحب شركة يحرق شركته بنفسه، ورجل مسن يطرد من وظيفته بعد ثلاثين سنة خدمة، وشاعر تؤدي به قصيدة لم يستطع كتابتها إلى مصحة الأمراض النفسية، ورجل يفتش عن طعامه في مكب النفايات ساخرا من العالقين في الزحمة، وجنرال متقاعد عاجز عن نفسه يحييه وفد عسكري في مستشفى العجزة وهو في سرير كالطفل الذي لا يفهم شيئا مما يجري. وتاجر يصنع تماثيل المسيح بأحجام مختلفة يبيعها؛ ثم يقر أنه كان يبيع الوهم. وشاب شاهد أخته متدلية على منصة الإعدام بينما ينجو هو من نفس الحكم فيفقد صوابه لأجلها، فيصبح ذلك الحبل رفيقه ويضعه حول رقبته أينما ذهب. ومسافرون يدفعون ببطء شديد عربات محملة بأكداس الحقائب وهم عاجزون عن الوصول لكاونترات التخليص من ثقل ما يحملون. كل هذه المشاهد وغيرها يجمعها أندرسون في هذا الفيلم المثير للحزن والتعاطف مع هذا الإنسان المحكوم بالجهل. أضافت الموسيقى التي كتبها بيني أندرسون للفيلم روحا خاصة أضافت بعدا تأمليا للكوميديا السوداء بالفيلم. فالتعاسة القادمة من كون الحياة أقوى منا وهي التي تقهرنا بالفشل والموت؛ لا توجد طريقة أفضل في عيشها من السخرية منها وعدم التمسك بها، ولكن هل يستطيع الإنسان فعل ذلك؟ فيلم عجيب لا بد أن يثير لدى متابعه ابتسامة تخفي وراءها حزنا ما؛ حزن أن هناك مطلق ما يسخر منه.

حكايا طائشة (2014)

الفيلم الأرجنتيني حكايا طائشة (2014) للمخرج داميان زيفرون يجمع ست قصص قصيرة في فيلم واحد يعالج بطريقة كوميدية سوداء التطرف عند الإنسان وتصاعد العنف لديه عند الإنتقام وفي اللحظات التي يفقد فيها السيطرة على غضبه ورغبته الشديدة في إعادة الاعتبار لنفسه. يحاول المخرج بطريقة ساخرة أن يكشف من خلال لوحاته كيف يفقد الإنسان اتزانه عندما تسيطر عليه رغبة الإنتقام، والنهاية التي غالبا ما تكون سيئة؛ تكشف عن ذلك الأصل الحيواني الدفين في جينات الإنسان عندما لا يعود يفكر بعقله. إنها العاطفة الساحقة والمدمرة التي إذا سيطرت على الكبار فسيحولون الحياة إلى جحيم. فيلم لا تستطيع إلا أن تضحك أمام غرابة الأفكار التي تطرأ لإشباع رغبة الإنتقام. وبالرغم أن رسالة المخرج ليست الكوميديا نفسها؛ وإنما معالجة جانب العنف في الإنسان في لحظات الإحباط والضعف، وما يتصل بذلك من ثقافة مليئة بالعيوب. العنف الذي يخفيه الإنسان بأشكال التحضر القشرية أو أحيانا بالحب أو حتى بالنظام والقانون؛ كل ذلك ينكشف فتظهر الحقيقة التي يخفيها الإنسان.

بداية من القصة الأولى للطيار الذي ينتقم من كل الذين أساؤوا إليه خلال حياته بما فيهم والديه؛ عندما يجمعهم في رحلة واحدة بالطائرة التي سيسقطها على رؤوس والديه، ثم بالقصة الثانية التي تنتقم فيها عجوز إحدى المطاعم من زبون هو سياسي فاسد فتقتله بالسكين لأنه أساء يوما ما للفتاة التي تعمل لديها، وفي القصة الثالثة حيث يتعارك اثنين ويتبادلان الأفكار الشيطانية لإلحاق الضرر بالآخر؛ والذي يبدأ من بداية بسيطة جدا عندما لا يفسح أحدهما الطريق للآخر وهما يقودان سيارتيهما، لتنتهي بموتهما محترقين في السيارة الفاخرة، وهكذا مع بقية القصص. كل هذه القصص مع تباينها واختلاف مواضيعها؛ إلا أنها تكشف عن الحاجة الماسة لمطلب العدالة بالمجتمع الأرجنتيني، وهذا المطلب الذي ينتهكه الإنسان العادي من حيث يدري ولا يدري؛ فقط لأنه لا يثق أن فكرة العدالة قابلة للتحقق في مجتمعه، وبالتالي يجب أن يأخذ حقه بيده. وفي ذلك رسالة اجتماعية عميقة جدا لزاوية في الإنسان قلّما تنتبه إليه السلطة، وهي أن تمثيل الحق لا ينفصل مطلقا عن إيمان الأفراد بهذا الحق، وإلا فإن المجتمع برمّته سيدخل في دوامة الفساد والعنف، وهذا ما عبّر عنه سيمون في القصة الرابعة وهو يحاور موظف قسم احتجاز السيارات يطالبه بالإفراج عن سيارته بدون دفع أية غرامة؛ حيث اتهمه بأن من يعمل في نظام مجرم يكون مجرما هو الآخر.

حصان تورينو (2011)

حصان تورينو هو الفيلم الأخير الذي أخرجه الهنغاري بيلا تار في 2011 عن الحصان الذي كان السبب في الإنهيار العقلي الذي أصاب فريدريك نيتشه وفق القصة المعروفة والغامضة في نفس الوقت. الفيلم يضع سيناريو في غاية الكآبة والمرارة والسوداوية للحصان ومالكه وابنته بعد حادثة تربيت نيتشه على رقبة الحصان متعاطفا معه من قسوة المالك. وكأنما انهيار نيتشه المفاجئ والذي أدخله في إحدى عشرة سنة من الصمت قبل أن يموت؛ هذا الإنهيار انعكس على الحصان الذي حاول المخرج أن يجعل منه شاهدا على نهاية الإنسان وفق رؤية نيتشه التشاؤمية. الفيلم متشبع إلى أبعد درجة بفكرة نهاية الحياة وموت الإله والصمت اللانهائي. فيلم سوداوي بوجوه كئيبة جدا خالية تماما من أية مشاعر، في ظل ريح قاتمة مستمرة من بداية الفيلم إلى قبيل نهايته. مع موسيقى أوركسترالية تأخذ الروح إلى أقصى عدمية ممكنة؛ تفتت الزمن المحيط بهذه الروح فلا يعود هناك أي وجود لما يسمى إنسان.

الفيلم مستوحى من تأملات نيتشه عن نهاية الزمن وفناء الإنسان عبر روتين قاتل يستنزف كل بهجة يمكن أن يحصل عليها. مالك الحصان فقير جدا يعيش مع ابنته في بيت متهالك ولا يملكون سوى هذا الحصان الذي لم يعد يطيع الأوامر منذ سقوط نيتشه وهو يحاول العطف عليه. هذا المخرج المقل والذي بالكاد يخرج فيلما واحدا كل أربع سنوات، وقد سبق أن أعلن في 2008 أن فيلمه القادم حصان تورينو سيكون آخر أفلامه، فربما أراد أن يعالج فكرة نهاية التاريخ في آخر أفلامه. لقطات الفيلم طويلة جدا حيث ضم ثلاثين لقطة فقط طوال الفيلم الذي امتد إلى 156 دقيقة. كل شيء في الفيلم كئيب وسوداوي؛ الإضاءة الضعيفة بالبيت، يد العجوز اليمنى المشلولة، البطاطا التي كانت الوجبة الوحيدة، تكرار خلع ولبس الملابس، الريح التي تعصف بكل شيء في الخارج، الأخبار عن الدمار التي تحدثه الريح بالمدينة، البئر التي تجف، الحصان الذي لا يطيع ويرفض الأكل والشرب، الأبواب الخشبية القديمة، الصمت الرهيب داخل الأب وابنته، المراقبة المحطمة للخارج من النافذة. وبالمجمل الوصول إلى النهاية التي عكسها المخرج بنهاية الضوء وحلول الظلام الأبدي.

الفيلم باللغة الهنغارية وقد وجدت له ترجمة عربية جيدة. وعموما الفيلم قليل الحوارات، فباستثناء ، وهو بالأبيض والأسود، ويعالج منطقة عميقة جدا في روح الإنسان، وهي تلك التي يدرك عندها أنه يسير للفناء وأن يد الإله تصفعه باستمرار لتنهي كل ما ينجزه ويشيده ويبنيه، فلا معنى للحياة أكثر من تلقي الهزائم والكوارث. بطبيعة الحال؛ فالفيلم يأخذك في سياحة مع هذا الشعور، كما لو أن رسالة المخرج في آخر فيلم له؛ هي أن نفتح نوافذ في أرواحنا لهذه النهاية، ونعالجها ونحن نمارس الحياة، فأن يقتلنا التشاؤم أخف بكثير من أن يقتلنا التفاؤل.

ناب الكلب (2009)

لا يبدو هذا الفيلم مريحا للمشاهد وهو يتأمل وجوه الأبناء الثلاثة؛ وهم ينفذون تعليمات كل من الأب والأم بطريقة آلية تكشف أنهم خاضعون تماما لسلطتهما. ورغم أن الأبناء قد وصلوا إلى مرحلة الرشد؛ إلا أن المرض النفسي لدى كل من الأب والأم جعلهما يخضعون أطفالهم لعزل تام منذ الطفولة المبكرة عن العالم الخارجي، مما جعلهم غير قادرين على فهم هذا العالم واستيعابه. فهم لا يتواصلون مع هذا العالم إلا من خلال إرادة الأب والأم. الرسالة التي يريد يبعثها يورغوس لانثيموس (المخرج اليوناني) من خلال فيلمه هذا؛ متعددة الاتجاهات، فعبر الحوارات المكثفة يمنحنا فرصة لاكتشاف ماذا يعني إنسان بلا ذات، وعبر الإنتقالات البصرية يجعلنا نجرب مشاعر العزلة والتيه والإستسلام للمجهول، وعبر الأداء الخالي من المعنى الفرصة لاختبار اللامعنى في البشر وفي الوقائع. فيلم يستفز المخرج من خلاله المشاهد في كل شيء؛ حتى في أسماء أفراد العائلة الذين تظل حتى نهاية الفيلم تنتظر أن تعرفها بدون فائدة، وفي تلك النهاية المزعجة التي تصدمك عندما تضطر لترسم النهاية السعيدة بنفسك. فيلم فيه الكثير لأكتب عنه، وفيه الكثير لمن يبحث عن أقصى ما يمكن أن تصل إليه السلطة عندما تلغي شخصية الأفراد.

قناع الغوص والفراشة (2007)

جان دومينيك بوبي كاتب وصحفي فرنسي أصيب فجأة في ديسمبر 1995 بسكته قلبية وجلطة دماغيه في سن 43، حيث فقد الوعي لعشرين يوم ليصحوا بعد ذلك مصابا بمتلازمة المنحبس؛ شلل كامل عن الحركة والكلام وقدرة الأكل، بالرغم أن الدماغ يعمل بكامل وعيه وقوته. العين اليسرى لدى جان كانت الوسيلة الوحيدة للتواصل مع العالم الخارجي. حيث عبر رفات الجفن أثناء إملاء الحروف عليه يحدد جان ما يريد قوله. عن طريق هذه التقنية كتب جان بوبي كتابا كاملا نشر في مارس 1997، وتوفي جان بعد ثلاثة أيام فقط من نشر الكتاب. الكتاب عبارة عن قصته ومعاناته وكيف يرى العالم من على مقعده وبعين واحدة فقط. في 2007 اخرج الأمريكي جوليات شنابل فيلم “قناع الغوص والفراشة” المقتبس من كتاب جان بوبي الذي كان يحمل نفس العنوان، وقام بدور بوبي الممثل الفرنسي ماثيو أمالريك. حاز الفيلم على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان وجائزة السعفة الذهبية بالإضافة إلى ترشيحات وجوائز عديدة أخر. عكس الفيلم بشكل رائع ماذا يعني أن يكون لدى الواحد وعيا كاملا محبوس في جسد مشلول، وأي صورة للعالم الخارجي يمكن تخيلها في ظل تفاعل معه لا يتجاوز رفة جفن. سوف يكون بلا معنى تماما، ولولا الحب الذي يصل للروح من العائلة والأصدقاء لكان الموت فعلا هو الخيار الأخلاقي الأصوب. ولكن هل يستطيع الحب أن يحطم أسوار الوحدة؟ جان دومينيك بوبي يقول لنا: لا يستطيع؛ لأنه ملازم تماما للشفقة. لهذا الموت كان هو الأرحم بالجميع.

جسور مقاطعة ماديسون (1995)

ما يمكن أن نضحي به؛ الحب في سبيل السعادة أو السعادة من أجل الحب؛ هو الذي صنع الحيرة التي ملئت عقل فرانشيسكا جونسون (ميريل ستريب) بعد علاقة حب تطورت خلال أربعة أيام مع مصور مجلة ناشيونال جيوغرافيك روبرت كونكيد (كلنت إيستوود) في الفيلم الرائع الذي أخرجه هذا الأخير في 1995. الفيلم مأخوذ عن رواية بنفس العنوان اشتهرت في العام نفسه للكاتب الأمريكي روبرت جيمس وولر. بعيدا عن الأداء الإحترافي لفرانشيسكا المضطربة بين قلبها وعقلها، ولروبرت الرحال الذي طلق زوجته لأنه يرفض الارتباط بمركز يشده دائما إليه، فإذا به يقع في حب سيدة بيت ريفية في إحدى مزارع ولاية أيوا، ويقع في نفس الحيرة بين الانطلاق الحر بدون قيود، وبين القيد الذي يفرضه الحب، ثم ينتصر إلى الإنطلاق الحر على حساب الحب الذي لن يستمر إلا لو اخترنا الخيار الآخر.

أكثر ما شدني في الفيلم هو تلك المعالجة السينمائية المذهلة لاضطراب وقلق الإنسان في الحياة؛ القلق الذي يولد من داخله لأنه لو استمر في تحقيق ذاته فسوف يؤذي أقرب الناس إليه، فيضطر أن يتنازل عن جزء من ذاته لأجل الآخرين، فيعيش جسدا فارغا من المعنى، أو فارغا من جزء كبير من المعنى. الصراع والتجاذب بين العيش لأجل الذات والعيش لأجل الآخرين هو محور الفكرة التي يعالجها الفيلم، وذلك عبر قصة رومانسية تستجيب فيه فرانشيسكا المهاجرة الإيطالية لنداء الغريزة مع روبرت المصور لدى ناشيونال جيوغرافيك، كل ذلك تم خلال أربعة أيام هي المدة التي غادر فيها زوجها وولداها للمشاركة في سباق خيل بولاية أخرى. ولكنها مع قرب عودة عائلتها تعيش ذروة الصراع بين أن تهرب مع المصور أم تجلس لعائلتها، فتختار العائلة لتعيش بقية عمرها مع تفاصيلها الموجودة في زوجها وولدها وابنتها.

الحب والموت (1975)

في فيلم الحب والموت 1975؛ يحاول وودي آلن أن يرسم الحدود بين الموت والحب. فالموتى يخرجون من توابيتهم ليرقصوا، والعاهرة تبحث عن الحب لتصبح قديسة، وبين النقيضين تتوه الحقيقة التي تحاول أن تعيد إنتاج نفسها؛ على نفس فكرة الحرب التي تقود للسلام، والسلام الذي ينتهي إلى الحرب. فيلم يركز بكوميديا موجهة على تناقضات الواقع الكثيرة والتي تنتج من ثنائية التبسيط والتعقيد في محاولة الإنسان لاحتواء هذا الواقع. فيلم دراما فلسفي في قالب كوميدي عن الحب والموت، وفي سياق تاريخي عن الحرب بين نابليون وروسيا. ويتناول التجاذب الأبدي بين الحب والموت، بين الحياة والعنف، بين ما هو أخلاقي ولا أخلاقي، بين الذاتي والموضوعي، بطريقة فنية تتحاور فيها الرموز والإيحاءات عوضا عن الكلمات. الحب في الذاتي يتحول إلى موت في الموضوعي. تماما كالحرب التي تكون لا أخلاقية كموضوع وأخلاقية في الذات، والذات والموضوع نفسهما في صراع حول من الأولى ومن الأهم. اغتيال نابليون المزيف في الفيلم إشارة إلى ذلك؛ حيث عملية القتل لدى وودي آلن قرار ذاتي؛ لهذا تردد بين لا أخلاقية القتل وأخلاقية إيقاف الحروب التي يتسبب فيها نابليون، وفي الأخير يكتشف أن تردده إنما بسبب الخطأ الناجم من عدم قدرته على تصور نابليون كموضوع خارجي لا علاقة له بوودي آلن، وأن من أطلق النار عليه كان صائبا حتى لو أصبح هو المتلبس بالجريمة التي يستحق عليها الموت.

نادي القتال (1995)

فيلم نادي القتال الذي أخرجه ديفيد فينشر من الأفلام التي تختبئ وراءها فلسفة عميقة ومؤثرة وخصوصا في مجتمع رأسمالي استهلاكي يحتفي بالمظاهر والقشور، ولا يحقق أو لا يتداول الأبعاد الغائرة في المجتمع. وأنا أشاهد الفيلم أشعر كأنني أقرأ عدمية نيتشه ودعوته لأن يحطم الإنسان كل الأطر ويتخلص من قبضة الحداثة واستعبادها للإنسان بالعقل مرة وبالمنتجات تارة أخرى، بحيث يتخلص الإنسان في آخر المطاف من حرصه على الحياة وتوجيه دفة القيادة. ليفعل ذلك يجب عليه أن يرفض الجاه والاحترام والسمعة والتقدير، ويعيش لوهلة بلا هدف ولا غاية سوى تجربة أي شيء في الحياة. الفيلم نجح وبشكل كبير في تصوير هذه الفلسفة حية مجسدة عبر شخصية راوي القصة (إدوارد نورتون) الذي لا نعرف اسمه، ويتحدث عن نفسه كموظف يعاني من الاكتئاب والأرق ويبحث عن التغيير في حياته الروتينية، فيحاول أن يجرب أشياء كثيرة ليعرف ماذا يريد بالضبط إلى أن يكتشف شخصية تايلر دريدن (براد بيت) الذي لا نعلم على وجه الحقيقة؛ هل هو شخص آخر أم ظل لنفس شخصية الراوي. يؤسس الراوي مع دريدن نادي أرضي للعراك يستقطب فيه الرجال الباحثين عن معنى لحياتهم عبر ممارسة العنف فيما بينهم، كل ذلك في ظل حياة مختلقة يصطنعها الراوي في خياله ليكتشف التغيير الذي يريده لنفسه.

في فيلم نادي القتال؛ الإكتئاب والإحباط والأرق واليأس الذي يجتاح الإنسان يأتي من الإستغراق في روتين العمل والمجتمع، ويبدأ العلاج بوضع حد للمجتمع والعرف. بحيث متى ما أصبح الإنسان مُحتقرا من الآخرين؛ يبدأ في التخلص من قبضتهم والشعور بالحرية الحقيقية التي تعطيه المعنى الذي عن طريقه سيعالج أمراضه النفسية. هذا المعنى في حالة الفيلم سيكتشفه الراوي عبر العراك العبثي الذي لا غاية له مطلقا سوى العراك نفسه الذي سيكون مساويا لتحقيق الذات. العنف المفرط الذي في الفيلم والمتمثل في إيذاء الجسد أولا للتخلص من التردد والخوف، حتى يتمكن لاحقا من محاربة الشركات الرأسمالية وثقافة الإستهلاك عموما. يمكن بشكل من الأشكال اعتبار الفيلم روحانيا يسعى لترسيخ فكرة أن النظام المتقن والمغلق والمنضبط يصل إلى مستوى من الكمال في تذويب الأفراد فيه بحيث لا يمكن التخلص منه إلا عبر العنف والإنفجار. هذا التمرد الذي يعيد للإنسان كينونته وصوته المصادر؛ هو الذي يسبق عملية إعادة الولادة في أدبيات ما بعد الحداثة في الغرب، فالفيلم هو نقد حاد للحداثة الغربية التي اختطفت إرادات الأفراد وأوصلتهم إلى طريق مسدود، والتدمير هو الشكل الوحيد لإعادة الأمور إلى مكانها الصحيح في الوجود الإنساني. والفيلم عموما هو توجيه الأنظار نحو هذه الفلسفة التدميرية التي تهدد الحضارة الغربية.

الجمال الأمريكي (1999)

فيلم الجمال الأمريكي من الأفلام التي تجبرك على البحث وراءها بعد مشاهدتها. فيلم يبدو لك أنه مباشر بلا مواراة، ولكن تكتشف أنه غامض لدرجة أنك تحاول بدون جدوى أن تربط بين نبوءة ليبستر بورنهام (كيفن سبيسي) بموته القريب جدا في أول مشهد بالفيلم؛ وبين موته في نهاية الفيلم. سيبدو الفيلم كذلك كوميديا تضحك فعلا على أبطاله، وكذلك رومانسيا تتفاعل بكل مشاعرك مع افتتان ليبستر بصديقة ابنته، لتكتشف في النهاية أن الفيلم في قمة التراجيديا وهو يعالج التعاسة في حياة كل فرد بالقصة. الفيلم مزيج من حبكة تكشف عن تناقضات الإنسان ورغباته الكثيرة التي يداريها تحت أقنعة تجعل حياته زائفة وبالتالي تعيسة. الفيلم يركز على كثرة القشور التي يحيط بها الإنسان نفسه، ومع الصدمات تنكشف له حقائق كثيرة عن نفسه كان يداريها ولا يظهرها. زواج فاشل على خيانات زوجية على علاقة مرتبكة بين الأبناء وآبائهم على إخفاء الإنسان ما يكره في نفسه؛ كل ذلك يعكس حجم الكذب الاجتماعي الذي يغلف الأرواح السجينة. واحد من أنجح الأفلام التي أنتجتها هوليود، فقد برع المخرج البريطاني سام ميدنس في شحن فيلمه بالإيحاءات العميقة وانتقاء المشاهد والمؤثرات التي تجعل المشاهد ناقدا في نفس الوقت.

الفيلم يكشف ببراعة ما الذي يقع عندما تكون حياة الإنسان بلا معنى، وأي صدمات تجعل الإنسان يستفيق من الحياة الزائفة التي تحيط به، وكيف يبدأ التغيير. ليبستر الذي تستيقظ فيه الغريزة عندما شاهد أنجيلا (مينا سوفاري) في عرض راقص مع ابنته جين (ثورا بيرش)، ثم يكتشف قوة شخصيته عندما يتعرف على ريكي فيت (ويس بنتلي). زوجته كارولين (أنيتا بيننج) التي تكتشف حاجتها للتغيير في حياتها عندما تمارس الحب مع أحد السماسرة المنافسين. ابنتهما جين التي تتغير حياتها مع مضايقات ريكي لها ومن ثم الحب الذي ينشأ بينهما. كولونيل فيت (كريس كووبر) الضابط العسكري المتقاعد الذي يكتشف الزيف الذي يعيشه عندما يبوح بمثليته وبشكل خاطئ أمام ليبستر. ريكي الذي يتخلص من قبضة أبيه الصارمة بعد أن صبر زمانا على الحياة الآلية الرتيبة التي يعيشها. هناك رابط خفي يجمع كل هذه القصص المتباينة والذي يجعل الإنسان يستفيق مستغربا من حماقته عندما كان متحملا كل ذلك الزيف في حياته، وهذا الرابط هو الجمال الخفي الذي يلحظه الإنسان فجأة. استعار المخرج بالوردة الحمراء للإشارة إلى هذا الجمال. وربما هذه هي كامل فلسفة الفيلم؛ كيف يُغيّرنا الجمال؟ والجمال هنا ليس فقط في الشكل؛ بل أيضا في السلوك وفي الكلام وفي الأحلام.